الجمعة، 19 يونيو 2026

بودكاست مع الشياطين

بودكاست مع الشياطين

 


بينما أنا مُتضجع أحاول النوم جاهداً، والوقت المتاح لي للنوم ينفد بسرعة، استولت على ذهني فكرة عمل برنامج حواري في قالب "بودكاست" مع ممثل عن شياطين الجن، وممثل عن شياطين الإنس.

راحت الأفكار تتوارد بسرعة جنونية، تجافت جنوبي عن المضجع، واتصلت برئيسي في القناة التلفزيونية أطلب أليه اللقاء على وجه السرعة، وهرولت لأرتدي ملابسي بعد أن رحب رئيسي باللقاء العاجل.

 في البداية عرضتُ فكرة البودكاست على رئيسي بحماس منقطع النظير، فطلب مني أن أهدأ كي يتعامل معي موضوعياً، وترك كل محتوى الفكرة وسأل سؤالاً ربما ظنّ أنه سينهي به حماسي وفكرتي:

-       ممثل عن شياطين الإنس متوفر وبكثرة ولا مشكلة، لكن من ذا الذي سيمثل شياطين الجن؟

نظرتُ في عينيه نظرة المُصمم الواثق وقلت له بصوت خافت وأنا أتلفت حولي:

-       موجود وجاهز وسيكون معنا قبل البرنامج بنصف ساعة، وأرجوك لا تحاول أن تعرف أكثر من ذلك، لأنني لا أعرف، ولكن عندما وعدني تأكدت من صدقه.

تعجب رئيسي من هذه الإجابة، وبدت قسمات الدهشة والغضب ترتسم على وجهه، وعاد يسألني:

-       هل تريد مني أن أقنع المُنتج ليعتمد لي ميزانية لبرنامج وضيف مهم لا أعرف من هو ولا كيف أتصل به؟

لم أستطع النطق رحت أهز رأسي إيجاباً.

ما لا أستطيع أن أبوح به لرئيسي - ولو بحت به سيتهمني بالتخريف - هو أنني بعد أن نزلت من بيتي مهرولاً وفي طريقي إلى سيارتي تلك الليلة وكانت حالكة الظلام إذا رفعتُ يدي لا أكاد أراها، شَعُرتُ بأن هناك من يتبعُني. أسرعتُ الخطى إلى سيارتي فسمعتُ وقع أقدامه تُسرع، فتوقفتُ واستدرتُ فرأيتُ رجلاً أنيقاً يرتدي حُلة باهظة الثمن وعليه سمات القوة والأناقة، فسألته:

-       ما سبب إتباعك لي؟ ماذا تريد؟

رد عليَّ بصوت خُشن، ولكنه مبحوح:

-       أعلمُ ما يدور برأسك، وجاهزٌ لحضور برنامجك.

سرت في بدني قشعريرة غشتني من رأسي حتى أخمص قدماي، وشعرت بركبي تتفكك حتى كادت قدماي أن تخذلني، لكني لم أرِد أن أفقد الفرصة، استجمعت قواي وسألته بصوت مرتجف لأتأكد أنه يعلم ما برأسي:

-       أي طرفٍ تريد تمثيله؟

رد بزهوٍ وخُيلاء:

-       شيطان الجن.

-       تملكتني دهشة أفقدتني القدرة على النطق بحرف، جفّ ريقي، وتجمد بصري، ووجدتني أقول:

-       كيف؟

رد بثقة راسخة:

-       دعك من الكيفية، يكفيك أن تعلم أنك لست أول من أتمثلَ له في شكل إنسي، وارجع إلى التراث إن أردت.

تحولت القشعريرة إلى رعشة سرت في بدني، ثم قال قبل أن يذوب في الظلام في طرفة عين:

-       ستجدني حاضراً قبل البرنامج بنصف ساعة أقف إلى جوارك، لا تقلق،

رحتُ أتلفت حولي في كل الاتجاهات، فركتُ عيناي لأتحقق أنني لا أتوهم، وبقيت واقفاً في مكاني بلا حِراك لوهلة ثم سارعت إلى سيارتي لا تكادُ قدماي تحملني.

مجرد فكرة رؤية الشيطان تقشعر لها الأبدان، ليس خوفاً منه، ولكن لأنه كيان غيبي يرانا هو وقبيله من حيث لا نراهم، فكيف لي أن أقنع رئيسي بذلك اللقاء” ,

وافق المنتج على مضض، وهددني بخصم تكاليف التجهيز والإعداد من راتبي إذا لم يحضر ممثل شيطان الجن. قرر رئيسي عمل البودكاست تحت سفح الأهرامات داخل ملعب إسكواش زجاجي كانت تقام عليه بطولة اقتربت من نهايتها، واتخذ كل التدابير بما في ذلك دعوة الجمهور لحضوره، وبدأ فريق الإعداد القيام بعمله المعتاد، وسأكون المذيع المُحاور.

*********

حلّ الموعد وحضر الضيوف؛ ممثل شياطين الجن، وممثل عن شياطين الإنس (سياسي بليونير) ومفكر حر شهير. جلسنا جميعاً خلف كونتر نواجه الأهرامات وقد سقطت عليها الأضواء من كل جانب، المدرجات ذات المقاعد الوثيرة المريحة امتلأت بالحضور الذي كان يهمهم بتعجب التعرف على ممثل شياطين الجن، وتمت تغطية الملعب الزجاجي بكسوة مخملية يختلف لون كل ضلع منها عن الضلع الآخر.

في الموعد المحدد لبداية البودكاست تم رفع الكسوة عن الملعب الزجاجي وساد الصمت في المدرجات؛ هناك بالفعل من يمثل شياطين الجن يجلس إلى يميني على مقعد كمقاعد رؤساء الشركات، وعن يساري يجلس السياسي المشهور صاحب المليارات، وفي ركن من القاعة يجلس المفكر مسترخيا.

بدأت بتقديم البرنامج

-       أهلا بكم في هذا البودكاست، أرحب بالحضور والمشاهدين الكرام في هذه الحلقة الاستثنائية.

-       اليوم لن نناقش السياسة التي لوثت وجه العالم، كما أننا لسنا بصدد مناقشة الأديان، بل نناقش فلسفة ودوافع من هم وراء الستار.

-       دعوني أولا أقدم ضيوفي:

-       على يميني السيد ارنيستو ممثلا عن شياطين الجن

-       على يساري السيد البليونير المعروف جراسيوس

-       وما بينهما السيد المفكر المعروف طه أمين.

تصفيق الجمهور للترحيب بالضيوف.

-       سؤالي الأول يعود بنا جميعاً إلى نقطة البداية الأولى، وأوجهه مباشرة إلى شيطان الجن:

-       دعنا نَعُد إلى البداية التي أفسدت كل شيء، لحظة الأمر بالسجود.  هل كان رفضك عقلانياً مبنياً على منطق وفلسفة مادية؟ أم كان مجرد كبرياء؟

تدخل في هذه اللحظة المفكر طه أمين قائلا:

-       لم يكن الأمر مجرد انحناء لجسد من طين، بل كان اختباراً للطاعة. أنت رأيت الأفضلية في مادتك "النار" والأغرب من الرفض هو ما حدث بعده؛ غَضِبَ الله عليك، ولكن باب التوبة كان يمكن أن يُفتح بالاستغفار كما فعل آدم لاحقاً فلماذا ذهبت مباشرة إلى التحدي؟ وطلبت النَظِرة إلى يوم البعث بدلاً من طلب العفو؟

يتصاعد من مقعد ارنيستو شيطان الجن حفيف خفيف يشبه الأوراق الجافة، ينقر بأصبعه على الميكروفون، صوته خشن جهوري، حاول أن تنبعث من صوته نبرة هادئة ورصينة كفيلسوف متمرد، وقال وعلى فمه ابتسامة ساخرة:

-       أنتم البشر ترون النصف الذي يناسب روايتكم المظلومة دائماً. أنا لم أختر التحدي عبثاً، بل اخترتُ المنطق والأمانة مع الذات، حين رفضتُ السجود، لم يكن ذلك تمرداً على الخالق - حاشا لله - بل كان رفضاً للمبدأ؛ كيف لـ “النور والنار” في طهارتهما وسرعتهما أن ينحنيا لكتلة من “الطين” الذي ينتهي به المآل إلى الجفاف والتعفن؟

اعتدل في جلسته وقال:

-       كنتُ متسقاً مع جَوْهَري. أما لماذا لم أطلب العفو؟ ببساطة لأنني أدركتُ أن حكم الطرد قد نُفِّذَ بمجرد أن فكّرتُ وعَبَّرتُ عن رأيي. أن كبريائي ملوكي لا ينحني. انظر إلى ضيفك الآخر في الاستوديو السيد جراسيوس، إنه يخطئ، ويعتدي، ويسرق الأوطان تحت لافتات الاستثمار وحرية الإنسان والديمقراطية إلخ، ثم في نهاية اليوم يطلب العفو والمغفرة بلباس الضعف والرجاء المقزز، ليعود في الصباح التالي ويسرق مجدداً، أنا على الأقل، واضح وصادق في عدائي.

قاطعه السيد طه أمين بتعليق بعبارة من إجابته وقال له:

-       إن صدقك مع ذاتك "لاهوتياً" يعني ضمنياً أنك ظننت في لحظة انك أحكم من الله الحكيم الذي تنزه عن الخطأ، مبرراتك كلها تنبثق من الكبرياء المحض، رغم اعترافك الصريح بأن الله هو من خلقك وميّزك.  لو حاولتَ أن تستفيد من كتابات بعض الفلاسفة البشر وتتذرع بأنك رفضت السجود لآدم لأنك لا ولن تسجد إلا لله العظيم الأوحد - أو ما أطلقوا عليه منطق التوحيد المتكبر - فإنك تناقض اعترافك الأول والمدون في الكتب السماوية حين قلت لله: "أنا خيرٌ منه خلقتني من نار وخلقته من طين" ،

يجلس المليونير جراسيوس في هدوء يتابع الحوار ووجهه مُنشرح لا يُفسده شيء. راح ارنيستو يلمس ربطة عنقه ويمسح على صدره ثم قال:

-       الوقوع في فخ "أنا خيرٌ منه" هو عواري الجداري الذي لا يُنكر.  حين قلتُها، كنتُ أقيس الأمور بمقياس المادة (النار والطين)، ونسيتُ أن الحكمة تكمن في إرادة الصانع لا خامة الصنع. ولكن، خطايانا نحن معشر شياطين الجن "فكرية محض"، تخرج من الرأس، التراجع عنها يمثل انتحاراً وجودياً للذات. المقارنة هي أول مسمار دُقّ في نعش السلام الكوني، ولكن انظر أين قادني هذا الكبرياء؟ قادني إلى وظيفة "الوسواس". كبريائي منعني من السجود لآدم، أما السيد جراسيوس بجواري ببدلته الفاخرة، فلا كبرياء ولا مبدأ، بل جشع وطمع يُعميه عن رؤية حق ملايين البشر في الحياة، اسأله, ما هي مبرراته لإبادة بعضكم بعضاً؟"

شعرتُ أن إبليس يحاول أن يفلت من الحصار الذي أحاول أن أعقد حلقاته. ألتفتُ إلى السيد جراسيوس وقلت لارنيستو:

-       سأعود لضيفي الآخر لاحقاً, أعتقد أنه يستمتع معنا، دعنا نستكمل الصورة الفلسفية الوجودية كما تراها سيد ارنيستو.

تدخل السيد طه أمين وبصوت هادئ وقور قال:

-       أعتقد أن الموضوع أكبر من مجرد كبرياء ونظرة إلى مادة المصنوع وتغافُل عن الصانع. من وجهة نظري، وربما يصحح لي ارنيستو، أن رفضك للسجود انبثق من غِلٍّ وكراهية دفينة؛ فبعد تدليلك ووسمك في الملكوت بأنك طاووس الملائكة وصاحب الحنكة والحكمة والذكاء، وجدتَ نفسك فجأة أمام مخلوق جديد، لم تمتدحه الملائكة، ولم يفعل شيئاً يستحق عليه التكريم، ولم يبدِ حكمة أو ذكاءً, لطالما كنت الطاووس لكن لم يؤمر أحد بالسجود لك، فطاشت حكمتك المزعومة، وأردتَ فقط الانتصار لطاووس الملائكة والحِفاظ على مكانته بين الملائكة في الصدارة.

انحنى ارنيستو قليلاً وهو يحرك عجلات مقعده، وقال بصوته الخشن الغليظ:

-       نعم, تباً له، إنه الغل، وتلك الكراهية السوداء. أتظن الأمر سهلاً سيد طه؟ أنا الذي قضيتُ دهوراً أعبد الله، صرتُ أرى نفسي في القمة, وفجأة، يُرفع الستار عن كتلة من الطين تفتحت عيناها لتجد الملائكة مأمورين ليس فقط بالانحناء لها بل بالسجود لها، حُرقة الغل أقوى من أن يتحملها جسدي الناري؛ لأنني رأيت في سجودي له سقوطاً لهيبتي ومكانتي بين الملائكة ولعرشي. وحين طُردت، صار همي الوحيد أن أثبت للخالق أن هذا المخلوق الذي فضّله عليّ هو كائن تافه، هش، تسوقه شهوته”, لذلك هبطتُ معه إلى الأرض، لأكسر كبرياء هذا الطين الذي كسر كبريائي”, ولكنني اليوم، أشعر بنوع من العدالة الشاعرية,

قاطعه السيد طه امين في هذه اللحظة معاتبا:

-       همك صار ان تثبت للخالق خطأ حكمه بتفضيل آدم، مرة أخرى تقع في خطأ لا يليق بك.

ساد الصمت لبضع دقائق، وقال ارنيستو للسيد طه أمين

-       ربما أخطأت في التعبير، كنت أريد أن أقول صار همي أن أثبت لكبريائي أن ذلك الكائن هش تافه.

ثم أشار إلى جراسيوس واستطرد:

-       انظر إلى ذرية آدم، لقد تجاوزوا تلمذتهم على يدي، وصاروا يبنون أسوار الكراهية والطبقية دون تدخل مني.

لم يسمح السيد طه أمين بهذا التجاوز وأسرع يباغته قائلاً:

-       تتحدث عن انتصار وعدالة شاعرية؟ عادةً، المنتصر في معركته تنخفض حدة غِلّه تدريجياً بعد الانتصار على خصمه، تتراجع فيه مشاعر الغيرة والحقد والغل ليسمو المنتصر بفكر موضوعي بناء، ثم يعهد إلى الاستمتاع بانتصاره. لكنك - رغم زهوك الآن بالانتصار - ما زلت تكيد لذلك المخلوق الطيني، فلا أنت تستمتع بانتصارك، ولا جلست كالملك المنتصر الذي ينأى بنفسه عن تابعيه من الشعب ويكرس جهده فقط في تأكيد وتثبيت التمكين, لقد عاهدتَ الله أن تُغويه إلى يوم القيامة، فما أنت إلا سجين ذلك القسَم.

قاطعه ارنيستو بصوت محشرج مبحوح قائلاً:

-       نعم, لقد أصبتَ كبد الفاجعة, أنا لستُ ملِكاً منتصراً؛ أنا أقدم - وسأبقى أقدم - سجين في هذا الكون، لقد ربطتُ مصيري ووجودي وحركتي اليومية بمخلوق طيني أحتقره”, لو كففتُ يوماً عن كيدي له، سأواجه الحقيقة المرعبة: أنني أصبحتُ بلا وظيفة وبلا قيمة. أن كيدي له هو قرينة إثبات لنفسي أنني ما زلت موجوداً ولدي مهمة.

نهضتُ من جلستي وخطوتُ في اتجاه باب ملعب الإسكواش ونظراً لهدوء وسكينة الجمهور سمعتُ صوت وقع أقدامي على الأرض، طلبتُ من المسؤول عن التهوية زيادة برودة تكييف الهواء فالحرارة التي تصاعدت مع غضب ارنيستو كادت تخنق الجميع.

وفي طريق عودتي لمقعدي توقفتُ لوهلة خلف ضيفي جراسيوس، بسطتُ كفي على رأسه وأدرتُ وجهه لي ونظرتُ في عينيه نظرة تحدٍ وأنا أقول له:

-       لقد استمعتَ لأرنيستو وهو يدعي أنك تخطيتَ مستوى شروره، وجئت بما هو أعتى من غوايته فما رأيك في هذا الادعاء؟

أجابني بنبرة برود واقعي حاد:

-       رأيي أن المقارنة ظالمة، أولاً، لم يكن لإبليس اختيار عندما لعنه الله وطرده من رحمته، لكن نحن البشر لسنا مُقيدين بأجزاء من الثانية لتنفيذ أمر إلهي؛ ربنا أمر الملائكة بالسجود لآدم ولكن إبليس أبى، هذا موقف لحظي فجاءه الرد فوراً, أما نحن؟ فقد أمرنا الله أن نعبده ووهبنا حياة دنيوية لأجلٍ معدود، منا من يجاوز المئة عام ومنا من يموت في طفولته أو شبابه، وهذا التفاوت اللغز هو ما يمنحنا دائماً الأمل في البقاء.

نظر إلى ارنيستو بتحدٍ واضح وهو يقول له:

-       أنت لا شيء، أنت مجرد حشرة تتغذى على نفسنا الأمارة بالسوء، نحن لا نتعلم منك شيئاً فلا تزهو علينا، لقد تفوقنا عليك. الفرق أن لدينا عقل لا يتوقف عن البحث سواء عن الحقيقة لنتجاهلها ونجيد ابتداع الوهم، نحن نخلق الوهم ثم ننشره ونروج له، وأصحاب النفوس الضعيفة التي تلهث خلف المال والثراء يُصدقون الوهم الذي نُروج له، بل ويطورون منه نسخاً مبتذلة. نحن نبث الوقيعة بين أبناء الشعب الواحد من خلال الأعمال الاستخباراتية والإعلام، لنسيطر وتكون لنا اليد العليا على الثروات، فأين أنت من كل ما نقوم به؟

ابتسم ارنيستو وهو يستمع إلى البليونير السياسي جراسيوس، ثم أشاح بيده له كأنما يقول له: "إليك عني، أنت كمن يحمل شهادة جامعية ولا يعترف بالجامعة التي درس فيها.

بدأت تبدو على ملامح جراسيوس علامات زهو بنفسه وبكلامه، أسند ظهره إلى المقعد واستطرد بنبرة حاسمة موجها حديثه للكاميرا:

-       عندما يتملكك الأمل في البقاء يُنسيك النهاية الحتمية، فإنك تريد بكل ما أوتيت من قوة وعقل أن يكون هذا البقاء ممتعاً، وأن تجتمع لك كل أسباب الرفاهية والسلطان. فلا أعتقد أن من يطمئن إلى البقاء سينام في فراشه ويستمتع بالنوم، أو سيجلس تحت شجرة مثمرة ينتظر سقوط ثمرة ليستمتع بمذاقها، أو سيسير في الطرقات تحت ظل ظليل يحتمي به من حرارة الشمس ينتظر نسمة هواء رطبة, لا، عندما يتملكك البقاء، لن تسعى فقط لديمومته، بل ستقاتل من أجل أن تجعله بقاءً ممتعاً؛ وربنا قال لنا إن الدنيا متاع، وأنا وأمثالي نكرس العمر كله لنحظى بذلك المتاع، إن لم يكن كله, فلا بد على الأقل من معظمه.

شعر أنه حكيم اللقاء المُتحكم في توجيهه، فأشار بيده متسائلاً:

-       ما قيمة البقاء وأنت ضعيف؟ ما قيمة البقاء وأنت مفلس فقير؟ ما قيمة البقاء بدون النساء والمقامرة والمغامرة وتقبل المخاطر؟ ما قيمة البقاء وأنت تتلقى الأوامر من هنا وهناك؟ ما قيمة البقاء إن لم يمتد اسمك وثروتك وبنيانك إلى أجيال قادمة؟

أشار بيده إليّ ثم دار بها في القاعة كلها واستطرد:

-       انظر حولك, أنت وكل من في هذا الاستوديو الآن، جميعكم في كَبَد، تعملون ساعات طويلة وتجهدون عقولكم ليكسب كل منكم ما يجنبه الفقر والعَوَذ والاقتراض, إن ما أفعله وتُسميه أنت “شراً”، ليس في الحقيقة إلا "مقتضيات البقاء الممتع"

قاطعه السيد طه أمين بسؤال:

-       أنت تتكلم عن نعيم الدنيا وهو مؤقت، بينما هناك نغيم مقيم في الآخرة؟

استطرد جراسيوس بسرعة:

-       ثق سيد طه يقيناً أن الاختيار بين نعيمي: نعيم الدنيا ونعيم الآخرة على هذه الأرض، سيميل الميزان غالباً لصالح متاع الدنيا؛ لأن الآخرة بالنسبة لنا كبشر غيبية, صحيح أن الله أعد لنا حياة آخرة أجمل، لكننا بشر نتعامل مع ضغوطات حياة يومية مادية صعبة

قاطعه السيد طه مرة أخرى قائلا وهو يشير إلى الأهرامات:

-       هل ترى تلك الأهرامات سيد جراسيوس؟ أين من بناها، سواء كان من أمثالك أو لا, أين هو الآن؟ إن تَجاوُزُك لمستوى شرور إبليس لا يُعد ذكاءً كما تتوهم، بل هو الغباء بعينه، نعم، إبليس حبيس عهده مع الله، ليس أمامه سوى الغواية، لكنك بشر لم تعتبر من قصص من سبقونا على هذه الأرض، كم من إمبراطوريات قامت على الأرض واتسعت، ومنها من أطلقوا عليها الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس, أين نيرون؟ أين نابليون؟ أين هولاكو؟ أين هتلر؟ أين موسوليني، أين ستالين، وأين وأين من عظماء الشر الذين أشعلوا الأرض بنيران سلطانهم؟ ألا تعتبر؟ ألا تفكر ولو للحظة أن مآلك إلى مآلهم؟ أنت من طين, فكيف تتقبل فكرة السعير في جهنم؟

بدت ملامح الزهو تنحسر عن وجه جراسيوس وجلسته، لكنه تابع:

-       كل من ذكرهم السيد طه من نيرون إلى هتلر، كانوا عظماء في رحلة البقاء, وهم لم يخسروا إلا عندما انتهت الرحلة ودخلوا في حتمية الفناء. لا ينكر أحد أنهم استمتعوا بحياتهم أيما استمتاع، لكنهم عملوا من أجل ذلك عملاً شاقاً وكان الحرث بعد ذلك الجهد، لكل منهم مزاياه وعيوبه كسائر البشر؛ أثناء حياته لا يجرؤ أحد ممن تقبلوا فكرة التبعية والعيش في سلام أن يذكره بسوء حتى لو كان على حق، لكن بعد الرحيل ينهمك الضعفاء الجبناء في كتابة الكتب والمقالات وتحليل التاريخ وفلسفة المواقف وصياغة النظريات ليثبتوا المآخذ عليه، في الحقيقة أنهم يثبتون جبنهم وضعفهم، أما عالم الفناء فكما قلت لك عندما تتملكك رغبة البقاء تلوذ بكل ما هو مادي يراه الآخرون رأي العين فتزداد سطوتك ويزداد الناس رهبة منك فيخضعوا. أما عن سعير جهنم فكما يقولون “يحلها ألف حلال".

جلس كما إمبراطور على كرسي عرشه، أسند كوعه الأيمن إلى ركبته اليسرى، ووضع قبضته أسفل ذقنه، بينما راح ارنيستو ينظر إليه مُستمتعاً بهذا الزهو الذي يُثبت انتصاره على المخلوق الطيني. التقطتُ الخيط من كلامه وبادرته قائلاً:

-       سيد جراسيوس، إبليس طُردَ للكبرياء وخَلّد ذلك بالعصيان، بينما أنت وأمثالك سعيكم كله إلى كبرياء زائل.

استأذن السيد طه ليقاطعني وقال موجها الحديث إلى جراسيوس:

-       بمناسبة مقولة “يحلها ألف حلال” فهذه مقولة الضعفاء حين يدفنون رؤوسهم في التراب، ليس هناك ألف ولا حتى عشرة ليقدموا لك الحلول، الحل تم تقديمه إليك من قبل أن تُولد، والحلّال واحد أحد، لم يتركك لعبادة الشيطان بل منحك المنهج الذي تنجو به في هذه الحياة وفي الآخرة، وحذرك عدة مرات إن الشيطان لكم عدو فاتخذِه عدواً. أعتقد يقيناً أنك من أتباع الذين كانوا يقولون “إن هي إلا حياتنا الدنيا”, أنت ممن أخلدَ إلى الأرض وربنا شبه بالكلب الذي إن تحمِل عليه يلهث أو تتركه يلهث.

اهتزت المدرجات بالتصفيق الحاد من الجمهور الحاضر، وعلت بعض الأصوات تندد بالإبادات الجماعية في عدة أماكن من العالم، وارتفعت أصوات ضد الظلم والظالمين، واستقبل جراسيوس كل ذلك بابتسامة ساخرة ونظرات جامدة لا تحمل معنى سوى أنه يعرف الحق ولكن البقاء الممتع يمنعه من التعبير حتى عن التعاطف.

عدتُ إلى ارنيستو لأطرح عليه هذه المُفارقة:

-       رغم أن انتصارك يتركز في الغواية ومن ثم المعصية، ومجال عملك هو البشر؛ كلما زاد عدد البشر اتسعت مساحة عملك، لكنك بإشعال الحروب والصراعات المسلحة تقضي على نسبة كبيرة من مساحة ذلك المجال، وبدلاً من أن تغويهم فيقعوا في المعاصي، تقوم بإرسالهم إلى الجنة مباشرة من خلال الشهادة، أليس هذا تناقضاً وفشلاً في استراتيجيتك؟

نظر لي نظرة توحي بأن هناك استخفافا بالسؤال، وقال:

-       في حسابات الأرقام والكم كلامك صحيح، الحروب تقضي على خلائق هي مادة غوايتي، ويذهبون شهداء إلى الجنة. ولكنني لا أقيس نجاحي بالكم البشري، بل بنوعية الانحطاط الوجودي.

اعتدل في جلسته وبدا وكأنه سيُلقي محاضرة واستطرد:

-       الحرب الواحدة تدمر الفطرة الإنسانية في قلوب ملايين الناجين؛ تزرع في نفوسهم الغل، والشك في العدالة، وتغذي اليأس المطلق. الحرب تجعل البشر يكفرون بالقيم؛ فيتحول الإنسان البسيط بسبب الجوع والخوف إلى ذئب يسرق جاره. أنا أضحي بألف طين يذهب شهيداً، في مقابل أن أصنع شيطاناً إنسياً واحداً كالقادة وسماسرة الحروب، بل أجتهد أن يكونوا أكثر من واحد، الواحد منهم يظل حياً ليقود الملايين نحو الكذب والنفاق والفساد والظلم لسنوات بالقهر تارة وبالوهم تارة وبالكذب اخرى، الحرب هي مفرخه لإنتاج شياطين الإنس, الخسارة في الأعداد ما هي إلا قربان تكتيكي أتجاوز عنه لأربح المعركة الفلسفية الكبرى.  ربما شيطان إنسي جديد عندي يساوي كل من تسميهم شهداء.

قاطع السيد طه أمين قائلا:

-       حقاً، إنك إبليس".

خرجت منه تلك العبارة بتلقائية، لكن ارنيستو لم يتأثر بها واستأذن للإضافة وقال:

-       أنا لا أفكر بمنطق “التاجر” الذي يحافظ على العملاء، بل بمنطق “العدو الحاقد” رؤية الدماء تسيل والخراب يعم وهدم بنيان الله والإنسان يمنحني لذة آنية، تعميني عن الخسارة الآجلة. الحروب ليست مصنعاً للشهداء فقط. أنت ترى من يموتون شهداء، لكنك لا ترى من يظلون أحياء مثل ضيفك جراسيوس، الحرب بيئة خصبة لأبشع المعاصي، يولد فيها الجشع، وتستباح فيها الأعراض، ويكفر فيها الناس بالعدالة الإلهية من فرط الصدمة، ويتحول فيها كثير من الأخيار إلى وحوش من أجل البقاء. الحروب هي مصنعي الأكبر لإنتاج شياطين الإنس.

توجهتُ بالسؤال نفسه إلى البليونير جراسيوس فالتفت إليّ وقال ساخراً:

"أنا لا أعمل لحساب الجحيم  ولا لحساب أحد، تركيزي فقط على مصلحتي أنا، تخطئ حين تظن أنني أشعل الحروب لأجلب زبائن لزميلي ارنيستو. لا أهتم بالآخرة، ولا إن مات البشر شهداء أو عصاة، أنا أشعل الحرب من أجل النفط، من أجل السلاح، من أجل النفوذ، من أجل تجارة الأعضاء، من أجل نشر المخدرات، مكسب ارنيستو معنوي في إفساد الخلق، أما مكسبي أنا فمادي أقبضه هنا في الدنيا.

تحولتُ بوجهي مجدداً إلى ارنيستو لأطرح قضية جديدة، وثبّت نظراتي في عينيه النارية سائلاً:

-       ما نظرتك إلى من لا يعترف بوجود خالق لهذا الكون ويؤمن بنظريات مثل التطور وغيرها،

تدخل هنا السيد طه امين قائلا:

-       بما أنك حضرتَ الحضرة الإلهية وعايشت عالم الشهادة، بالنسبة لك الخلق والخالق والألوهية والتوحيد كلها بديهيات، أنت لم تنكر وجود الخالق ولم تنكر خلق آدم، لكنك تكبرت وعصيت دفاعا عن مكانتك كطاووس، بينما يقول الله في حديث قدسي “الكبرياء ردائي والعظمة إزاري" فنازعت الله في ردائه، وتحول كبرياؤك إلى زنزانة أبدية. فكيف تنظر لمن يُنكر الصانع بالكامل؟

أطلق ارنيستو ضحكة مجلجلة خشنة ممتلئة بالتهكم والسخرية الشديدة من الجنس البشري، وهز رأسه متعجباً وقال:

-       الملحدون؟ هؤلاء هم المفارقة الأبرز في دفتري، أنا شخصياً، أرتعد من جلال الخالق وأعلم يقيناً أنه الواحد الأحد، بل وأقسمتُ بعزته قائلاً: "فبعزتك لأغوينهم أجمعين". أنا عاصٍ ومتمرد، لكنني لستُ مغفلاً ليغمض عينيه عن الشمس وينكر وجودها.  حين أرى بشرياً يملك عقلاً ثم يدّعي أن الكون وُجد صدفة، أو أن جده الأكبر كان قرداً تطور، أدرك كم أن غوايتي لكم تتجاوز أحياناً حدود منطقي الناري المحدود، لا احتاج لأقنعهم بالإلحاد لأنني أملك حُجة، ولكنني أستغل كبرياءهم الفكري الواهم. أقول للمثقف منهم: أنت أرقى من أن تؤمن بغيب لا تراه، أنت علمي وعقلاني, فيقع في الفخ مستسلماً مجاناً بلا أدنى عناء ووسوسة, إنهم أغبى ضحاياي.

نقر السيد طه الميكروفون بقوة، وأستدعي ملحمة تاريخية ليواجه بها عناده الوجودي:

-       في ملحمة الفردوس المفقود يقول جون ميلتون على لسانك: "ما يَهُم إذا فقد المكان؟ فالمرء لا تتغير نفسه بتغير المكان أو الزمان. العقل هو مكانه الخاص، وهو في حد ذاته قادر على أن يصنع من الجحيم جنة, ومن الجنة جحيماً. هنا على الأقل سنكون أحراراً، وأن نحكم في الجحيم خيرٌ لنا من أن نخدم في الجنة", فلماذا لا تندم؟

انطفأت ابتسامة ارنيستو الساخرة، واكتست نبرته بجمود مرعب تخرج منه الحروف كالفحيح:

-       ميلتون صاغ مبرراتي بلسان بشري رومانسي وفخم، "أن نحكم في الجحيم خيرٌ من أن نخدم في الجنة", كذبة نُدثر بها عاري الوجودي، الجحيم جحيم يا سيد طه لا توجد فيه حرية، ولا توجد فيه جنة عقلية.  الندم يحتاج إلى انكسار، والانكسار يتطلب دحر الكبرياء, وأنا أفضّل أن أحترق بكبريائي على أن أنجو بدموع الاستغفار أمام آدم. الندم بالنسبة لي يعني إعلان هزيمة وجودية، وما دمتُ قادراً على سحب ملايين البشر معي إلى هذا السعير, فستظل المعركة قائمة، ولن أندم.

هززت رأسي بأسف، ثم باغته بزاوية فكرية وطرح ربما لم يتوقعه:

-       إذن, الأمر يتجاوز مجرد الكبرياء والعناد؛ أنت في حقيقتك فضّلتَ الوهم بالحرية المطلقة على الالتزام بمنهج إلهي صارم يحدد لك أفعل ولا تفعل.

التقط السيد طه أمين الخيط وتابع موجها حديثه لأرنيستو:

-        بفطنتك وذكائك كطاووس للملائكة، أدركتَ مبكراً أن طاعتك للسجود ستعني خضوعك الأبدي لمنهج يضبط حركتك، ويحرمك من إشباع نزواتك النفسية. لذا، اخترتَ العصيان لتشتري به حرية زائفة ظننت أنك ستفعل فيها ما تشاء، وتطلق بها العنان لغلك، وحقدك، وغيرتك من هذا المخلوق الطيني دون وازع أو رادع، أليس كذلك؟

ينبثق من عيني ارنيستو بريق ناري حاد، وينحني بظهره للأمام، وتتحول نبرته الساخرة إلى اعتراف فلسفي مبطن بالمرارة:

-       السيد طه يجاول أن يفكك شفرتي الجينية، نعم، أفعل ولا تفعل هي الأسلاك الشائكة التي يكرهها كل متمرد. الطاعة بالنسبة لي كانت تعني السير داخل حدود المنهج، وأنا أرى نفسي طاووساً لا تحده حدود، لقد تذرعتُ بمادة الصنع (النار والطين) كغطاء سياسي لرفضي، لكن في أعماق نفسي، كنتُ أبحث عن السيادة المطلقة على الذات. أردتُ أن أكون أنا المنهج وأنا المشرّع لنفسي، أردتُ حرية إضمار الغل والكراهية لهذا الطين دون أن يأتيني أمر يوبخني أو يلزمني بمحبته أو السجود له.

-       لكن، غاب عني الغيب الأكبر الذي لا يعلمه إلا الله، أتعلم؟ أنا لم يتصور عقلي الناري أبداً، ولم يَدُر في خَلدي قَط، أن رفضي لأمر السجود سيصل بي إلى الطرد واللعنة الأبدية، كنتُ أظن بمنطقي القاصر أنني قد أنال عقاباً ما أو توبيخاً يمكن تسويته، فالعواقب كانت غيباً حَجَبَه الله عني ليختبر طاعتي الفطرية لا العقلانية. فكانت المفاجأة الصادمة التي زلزلت وجودي هي الطرد النهائي من الرحمة.

-       هنا تجسدت اللعنة القدرية والمفارقة الساخرة التي تحاصرني؛ فبالعصيان نلتُ الغضب، والغضب انتهى بي إلى قيد أبدي كنت أظنني سأنال حرية فعل كل شيء أريده أو أشتهيه، فإذا بي أستيقظ لأجد حريتي قد تقيدت وخُنقت في فعل واحد لا غير: الإغواء بالوسوسة فقط.

-       انظر إلى حقيقتنا الآن وقارن بيننا: الكائن الطيني الذي احتقرته، أصبح حراً حريّة مطلقة ومخيراً بين أقدس الخيارات الوجودية؛ فهو مخير بين الخير والشر، وبين الإيمان وعدم الإيمان، "فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُر"، ولا إكراه له في دينه, الطيني نال حرية واسعة صحيح أنها منضبطة بمنهج ولكنها حرية رحبة، بينما أنا الناري المتكبر، صرتُ مقيداً قيداً أبدياً حرمتُ به من مجد السماوات وكل الأفعال، وانحصرت حريتي المزعومة فقط في ابتكار أساليب الإغواء، ظننتُ أنني تحررت بالعصيان، فإذا بي أتحول من طاووس للملائكة إلى عصفور عليل لا يقدر على الفَكاك من قفص يحبس داخله, لقد صرتُ عبداً لغيرتي.

ارتفعت دقات الساعة البطيئة في الاستوديو الزجاجي، وبدت ظلال الأهرامات الثلاثة في الخارج شامخة، شاهدة بصمتها الأزلي على نهاية مواجهة الجولة الأولى،

بدأت استراحة ماجَ خلالها الجمهور، ونزل حشد منهم للاقتراب من الاستوديو ليروا ممثل إبليس وانهمك الكثير منهم في التقاط الصور سواء بكاميرات احترافية أو باستخدام الجوال.

همس لي ارنيستو قائلا وهو محني الرأس:

-       لو كنت أعلم الغيب ما حضرت هذا البرنامج

أما البليونير جراسيوس انتهز فرصة اقترابي منه وقال لي:

-       توقعت أن تفتح معي موضوعات أعمق

اقتربت من أذنه وقلت له:

-        بعد الاستراحة عندي لك حُمم فاشرب كثيراً من الماء ستحتاجه،

ابتعدت عنه وأنا أبتسم له.

************

الجمهور يعود إلى مقاعده في المدرجات، والأضواء تُسلط مجدداً على الاستوديو الزجاجي الشامخ أمام الأهرامات، وجراسيوس يرتشف جرعة ماء ويترقب بنظرة متوجسة، بينما يجلس ارنيستو مطأطأ الرأس يترقب.

الأضواء الخافتة في الاستوديو الزجاجي تعود لتتركز على الضيوف، وصوت الجمهور في المدرجات يتلاشى تدريجياً ليحل محله صمت يترقب العاصفة.

جراسيوس يضع زجاجة الماء جانباً بعد أن ارتشف منها ثانية، وتلك الابتسامة الساخرة ما زالت معلقة على شفتيه، لكنها ممزوجة بحذر جديد ظهر في عينيه بعد التحذير أثناء الاستراحة.

التفت لكاميرات البودكاست وبصري بالكامل نحو جراسيوس، وتلاقت عيناي بعينيه الجامدتين، وقلت له بنبرة هادئة لكنها حادة:

-       أهلاً بكم مجدداً بعد هذه الاستراحة القصيرة. وقبل أن نغوص في لُجج القضايا الأخرى، دعنا نبدأ من حيث انتهيتَ أنت قبل الاستراحة؛ عندما قلت إنك تشعل الحروب لأجل النفط، والسلاح، والنفوذ الخ، وأن مكسبك مادي تقبضه هنا في الدنيا، ولا يهمك إن مات البشر شهداء أو عصاة.

كعادته الرزينة القيّمة تدخل السيد طه أمين وقال:

-       أنت هنا تتحدث بلسان “ميكيافيلي” في أسوأ نسخه الرأسمالية المتوحشة؛ حيث الغاية تبرر الوسيلة. غايتك هي البقاء الممتع والرفاهية المطلقة، ووسيلتك هي دماء ملايين الأبرياء، وتشريد الأطفال، وهدم الأوطان.

عدتُ لأوجه لجراسيوس سؤالي:

-       هل تعتقد حقاً أن هذا المنطق التبريري يمكنه أن يصمد فلسفياً أو أخلاقياً؟ كيف يستقيم في عقلك البشري أن تبني نعيمك المؤقت على جحيم حقيقي تخلقه للآخرين؟ ألا ترى أن وسيلتك الدموية قد لوثت غايتك تماماً، وحولتك من مجرد إنسان يبحث عن الرفاهية إلى آلة دمار تفتقر لأدنى درجات الوعي الإنساني؟

تنحنح جراسيوس، وأعاد تعديل جلسته الإمبراطورية، ونظر إليّ بعينين ضيقتين كأنه يزن الكلمات، ثم قال بنبرة تخلو من أي ندم بعد أن ارتشف جرعة أخيرة من الماء، ووضع الزجاجة ببطء، بينما يرسل إليّ نظرة واثقة، ويهز رأسه بابتسامة خفيفة تملؤها السخرية

-       ببساطة، التاريخ يكتبه المنتصرون الأثرياء، وهذه هي القاعدة الأزلية للبقاء الممتع في هذا العالم.

منحه السيد طه أمين ابتسامة بمرارة، ونظر أليه نظرة حادة وقال: بالفعل, تقول إن التاريخ يكتبه المنتصرون الأثرياء؟ ليتك لم تقلها يا سيدي؛ لأنك بهذا الاعتراف تُقر بأبشع جريمة تزوير وسرقة علنية في تاريخ البشرية.

-       أليس هذا بالضبط ما فعله سلفك من المنتصرين الأثرياء في الحرب العالمية الثانية؟ عندما انتهت المذبحة، جلسوا على الطاولات الفخمة ليقسّموا العالم الذي اعتبروه كعكة غنائمهم، فأنشأوا عصبة الأمم ثم الأمم المتحدة لا لإرساء العدل، بل لتكون الذراع القانوني الذي يشرعن جشعهم، تقاسموا الدول، وقطعوا أوصال أوطان إلى دويلات هشة باتفاقيات سريّة صُيغت بدم بارد بعيداً عن أصحاب الأرض الحقيقيين تماماً كما جرى في سايكس بيكو، ورسموا حدوداً ملغومة بالصراعات تخدم مبدأهم الأزلي: فرّق تَسُد.

-       هيمنوا على مصير الكوكب بقوتين أسموها القوى العظمى، ووضعوا نظاماً مالياً وعالمياً مصمماً فقط لخدمة أطماعهم ونهب ثروات الشعوب الضعيفة. وحتى عندما أرادوا ذر الرماد في العيون، أقاموا منظمة لـحقوق الإنسان تركز بدقة مريبة على حقوق فئات محددة تخدم أجنداتهم، بينما يُذبح الضعفاء على مرأى ومسمع منها دون أن تحرك ساكناً، والأدهى من ذلك كله، أنهم استولوا على أراضٍ وأقاموا عليها دولةً هجينة لم يعرفها التاريخ، بلا أي أساس قانوني أو أخلاقي، أليس هذا هو نموذجك الأعلى في البقاء الممتع؟

حاول جراسيوس أن يحافظ على جموده، واتسعت ابتسامته الباردة الجافة لتتحول إلى نظرة ممتلئة بالغطرسة، يتكئ بذراعيه على مقعده ويقول بنبرة هادئة:

-       حضرتك تشرح الواقع بدقة، لكنك تبكي عليه، بينما أنا أستثمر فيه. نعم، كل ما ذكرتَه عن الأمم المتحدة، وسايكس بيكو، وفرّق تسد، والمنظمات الأممية الصورية، واختراع الدول بلا أساس قانوني، هو حقيقة واقعة صغناها نحن بأيدينا وبعقولنا البشرية المحضة” ,

-       هل تريد أن تعرف الجذور الحقيقية لتلك القرارات التي أشعلت صراعات الأرض؟ الجذر هو قانون الندرة وصراع الموارد. الأرض مليئة بالثروات، لكنها إذا قُسّمت بالعدل بين الجميع، فلن يحصل أحد على الرفاهية المطلقة أو النعيم الدنيوي الذي أبحث عنه أنا ونظراء عروشي. لكي نعيش نحن في قمة الهرم الرأسمالي ونحظى بكل المتاع، لا بد أن يقبع ثلثا الكوكب في القاع” ,

-       القرارات الدولية والاتفاقيات السرية وحدود سايكس بيكو لم تُوضع بدم بارد لمجرد التسلية، بل وُضعت كـ أقفاص قانونية وسياسية تحبس الشعوب داخل صراعات عرقية وحدودية أبدية؛ لنضمن ألا تلتفت هذه الشعوب يوماً لثرواتها المنهوبة. نحن لا نحرمهم من الحق في الغذاء والكساء والشراب لأننا نكرههم، بل لأن إبقاءهم في حالة اللهث خلف لقمة العيش هو الضمان الوحيد لاستمرار تبعيتهم وخضوعهم. فالضعيف الذي لا يستطيع حماية قمحه ونفطه ومائه، لا يستحق - بمنطق القوة - أن يمتلكه.

قاطعه السيد طه بحدة مشوبة بالسخرية، رافعا سبابته في وجهه مستنكراً:

-       لجظه لو سمحت، لا تتعالى بمنطق القوة لتبرر جريمتك، وسؤالي لك الآن، وهو السؤال الذي يتهرب منه نظامكم الرأسمالي دائماً: ومن الذي جعل هؤلاء الضعفاء ضعفاء؟” ,

-       إياك أن تقول لي إنها إرادة إلهية، أو قضاء وقدر، أو كسل من الشعوب. فهؤلاء الذين تسميهم ضعفاء يمتلكون أخصب الأراضي، وأغنى الثروات، ويمتلكون عقولاً متميزة وقادرة على إدارتها والاستفادة منها لو تركتُموهم وشأنهم، لكنكم أنتم من صنعتم هذا الضعف وهندستُموه بلا حساب لأي شيء إنساني.

-       على سبيل المثال لا الحصر، انظر إلى القمح وكيف استخدمه المنتصرون لفرض الهيمنة والتبعية المطلقة،  السفن المحملة بالحبوب تمخر عباب البحار في أعالي المحيطات، بينما تُصاغ القرارات الجائرة ضد الشعوب في غرفكم المغلقة؛ ومن يجرؤ من قادة تلك الدول على رفض أطماعكم، أو رفض الانصياع لقراراتكم، يتم إصدار أمر فوري إلى تلك السفن بتغيير مسارها وعدم التوجه إلى موانئ بلاده، تعاقبون  شعباً كاملاً يواجه خطر الموت جوعاً لأن حاكمه رفض أن يكون تابعاً لكم، والأكثر بشاعة وفضحاً لزيفكم، أن الحبوب الأساسية التي تعتمد عليها حياة الإنسان، ليست مدرجة ضمن بنود حقوق الإنسان في دساتيركم الدولية الصورية، جعلتم حرية التعبير وحقوق فئات محددة في صدارة اهتمامكم لتشغلوا بها العالم، وتركتُم الحق في الخبز خارج الحماية القانونية ليبقى سلاحاً سرياً في أيديكم تحركون به الشعوب كقطع الشطرنج.

ينظر جراسيوس لي بعينين جامدتين لا يطرف لهما جفن، ثم يبتسم ابتسامة باهتة ثعلبية ويقول:

-       نعم، القمح سلاح، والسفن في أعالي البحار رهن إشارتنا، والغرف المغلقة هي التي تدير العالم. أتريدني أن أخجل من هذا؟ هذا هو قمة الذكاء الإنساني في إدارة البقاء.

-       تقول مَن جعلهم ضعفاء، وسأجيب حضرتك بصراحة: نحن من جعلناهم ضعفاء، ونحن من نُبقي علم إدارة الثروات حكراً علينا برأس المال والتكنولوجيا، لو جعلنا الغذاء حقاً إنسانياً مضموناً ومحسوباً، لَفقدنا أكبر وأقوى مقود نقود به قطيع البشرية. الإنسان عندما يشبع، يبدأ في التفلسف، ويبدأ في التمرد والمطالبة بالسيادة والمساواة. الجوع ليس خطأً في النظام، الجوع هو محور النظام نفسه، إنه الميزان الذي يحفظ هدوء العالم؛ فالخوف من الجوع يضمن استمرار تدفق العمالة الرخيصة لمصانعنا، ويضمن بقاء الدول النامية في طابور التبعية يتوسلون رضا موانئنا وسفننا. مَن يمتثل لشروطنا نفتح له الميناء، ومَن يتمرد نترك سفن القمح تمخر عباب البحر بعيداً عنه حتى يأكل شعبه المسغبة فيعود إلينا راكعاً يطلب الصفح. هذه هي الواقعية المطلقة لمن يريد أن يحكم ويستمتع بالبقاء.

قاطعته بضحكة مشوبة بالذهول والإنكار الشديد، وضربت بيدي على الطاولة، فاضطررت للوقوق وقلت له:

-       سبحان الله، قطيع البشر؟” , ألستم أنتم أنفسكم من البشر؟ من طين مثلهم، نمرضون كما يمرضون، وستموتون كما يموتون؟ مَن ذا الذي منحكم رتبة قيادة الكوكب وجعلكم رعاةً على هؤلاء الذين أسميتَهم قطيعاً؟” ,

كعادة السيد طه أمين المفكر الفذ، تدخل هنا للإضافة وقال:

-       في عالم الإدارة والسياسة، عندما يُمنح شخص أو جهة ما رتبة قيادية، فلا بد أن يقدم له ما يُعرف بـ “الرؤية، والرسالة، والاستراتيجية”، ثم الخطط طويلة الأجل التي تُترجم هذه الرؤية والرسالة إلى واقع يخدم المجموع” , فأسألك أولاً: مَن الذي عيّنكم قادة على البشر؟ مَن الذي نصّب لصوصاً وبنوكاً وقراصنة قمح أوصياء على أرواح ملايين الخلائق؟ وما هي الرؤية والرسالة والاستراتيجية التي حددها لكم هذا المنصِّب لتبرروا بها هذا الاستعباد؟"

جراسيوس بمنتهى البرود يميل برأسه قليلاً ليقول:

-       دعنا من هذه الديباجات الفلسفية، دَعنا نخلع الأقنعة تماماً أمام الكاميرات والجمهور. تسألني مَن منحنا رتبة القيادة؟ وكأن هناك صكاً إلهياً أو عقداً قانونياً يُوقع عليه البشر لتنصيب الملوك والأباطرة” , الحقيقة العارية التي يخشى الوعاظ قولها هي: قيادة العالم لا تُمنح، قيادة العالم تُكتسب بالقوة الغاشمة.

-       التاريخ لم يرحم يوماً أصحاب الحقوق الضعاف، ولم ينصّب يوماً حاكماً لأنه يملك رؤية ورسالة أخلاقية. القوة هي الشرعية الوحيدة المعترف بها في هذا الكون. مَن يملك القوة لتركيع الآخرين، ومَن يملك القدرة على حبس القمح وتحريك الأساطيل وفرض إرادته بالحديد والنار، هو مَن يملك رتبة القيادة تلقائياً. نحن لم ننتظر أن يعيننا أحد؛ نحن فرضنا وجودنا لأننا الأقوى” ,

قاطعته فوراً بنبرة متهكمة ومستنكرا أرفع حاجبي

-       الأقوى؟” , على رسلك سيد جراسيوس، لا تمنح نفسك هالة البطولة والعبقرية وكأنك وُلدت وفي يدك مفاتيح الكون” , تسند ظهرك وتقول “فرضنا وجودنا لأننا الأقوى”؟ سؤالي لحضرتك هنا: ما هي العناصر الدقيقة التي جعلتكم الأقوى من الأساس، قبل أن تتحولوا من مجرد “بشر عاديين” إلى قراصنة يتحكمون في ثروات الكوكب وقوت الشعوب؟

كعادة السيد طه أمين، يتدخل عنا ويضيف:

-       هل هي قوة بيولوجية؟ بالطبع لا. هل هي تفوق جيني؟ كذبة فندها العلم. الحقيقة التي تتهرب منها هي أنكم لم تكونوا الأقوى بعقولكم أو بجهدكم، بل كنتم “الأكثر غدراً بمنح الوعود ثم التنصل منها بالكامل كما فعلتم مع الأعراب الذين اقنعتموهم بالثورة على العثمانيين، وكنتم الأفظع خروجاً عن النواميس الأخلاقية الإنسانية، قوتكم المزعومة تشكلت يوم أن تجردتم من الضمير الذي يقيد بقية البشر.

تلمع عينا جراسيوس ببريق مفاجئ، ويلتفت نحو السيد طه قائلا:

-       الضمير؟ أحسنت، لقد وضعتَ يدك على الفارق الجوهري. دعني أبرز لحضرتك الحقيقة التي توجعكم: مَن يسير خلف ما تسمونه "الضمير" لن يحقق في هذا العالم إنجازاً واحداً يُذكر” , الضمير غي قواميسنا قيدٌ وهمي، ومكابح نفسية تمنع الإنسان من اتخاذ القرارات المصيرية. الضمير لن يوافق أبداً على تبرير الغايات الكبرى التي ننشدها.

-       أنا أعترف بملء فمي: كلمة "لضمير" لا وجود لها في قواميس من يقدسون غاياتهم ويصنعون التاريخ. نحن لم نكن الأقوى لأننا جينات خارقة، بل لأننا امتلكنا الشجاعة الفلسفية "لإعدام الضمير" في أعماقنا لصالح الفاعلية والواقعية والوصول لـ البقاء الممتع والرفاهية المطلقة.

نهضت من مقعدي واقتربت منه بجسدي لأواجهه بنظرة مشفقة وثاقبة وقولت له:

-       جميل جداً، إذن أنت تسمي إعدام الضمير "تحرراً"؟ حسناً، دعنا نضع هذا الادعاء تحت مجهر الواقع البشري البسيط، وأجبني بصراحة: سيد جراسيوس، عندما تجلس إلى طاولة الطعام الفاخرة، هل تأكل أكثر مما تطيق بطنك؟ عندما تريد التمتع بالسكن، هل ستسكن مئات القصور في آن واحد؟ أم أنك لن تشعر بالراحة والنوم إلا في غُرفة واحدة داخل واحد منها؟ وعندما تحتاج سيارة أو طائرة لتتنقل بها، واشتريت أساطيل، هل تقودها معاً أم تتنقل بواحدة فقط؟ وعندما تريد التمتع بالشراب، هل تتحمل معدتك زيادة عما تطيقه؟

قاطعني السيد طه أمين موجها كلامه لجراسيوس:

-       أنت بشر، حدودك البيولوجية هي نفس حدود ذلك “الطيني” الجائع الذي تحرمه من القمح بسفنك، أنت بليونير، تمتلك ما يكفي لإطعام أجيال من ذريتك، فلماذا يستمر منطقك اللاهث على "هل من مزيد"؟ لماذا تستمر في إبادة الشعوب من أجل أرقام تُكتب في شاشات البنوك، بينما أنت عاجز بيولوجياً عن استهلاكها؟

تغيرت ملامح جراسيوس، وانحني للأمام قائلاً بنبرة جادة وبكنها باردة:

-       حضرتك تقيس أفعالي بمقياس "الحاجة البيولوجية"، وهذا خطأ قاتل. "هل من مزيد" عندي لا علاقة لها بالجوع؛ إنها تتعلق بـ منطق التنافس الشرس في قمة الهرم، أنا لا أتنافس مع جسدي، بل أتنافس مع زمرتي من الجبابرة فوق. لو توقفتُ للحظة واحدة، سيتجاوزني بليونير آخر في اليوم التالي ويلتهمني” , والاستزادة المستمرة هي وسيلتنا الحتمية لـ حرمان الآخرين من مجرد المحاولة لتسلق هذا الهرم، نحن نكدس الثروات التي لا نحتاجها بيولوجياً، لكي نضمن ألا يمتلكها غيرنا سياسياً وعملياً.

أطلق السيد طه أمين ضحكة ساخرة ممتلئة بالتهكم، وهز رأسه متعجبا وقال:

-       أهذا هو كبرياؤك المزعوم؟ لقد أوقعتَ نفسك في شر فلسفتك المتهافتة يا سيد حراسيوس، دعنا نعد إلى ما تفضلتَ بقوله في البداية، حين كنت تملأ شدقيك فخراً وتشير إلى أن غايتك هي "البقاء الممتع" والآن، وبمنتهى التناقض، تُشير إلى أنك تعيش في "صراع بقاء وجودي جبار" صراع مرعب ضد زمرتك في القمة، وأنك لو توقفت للحظة لالتهَمك الآخرون، فأين المتعة بالله عليك في هذين المنطقين المتناقضين: "ممتع" و "صراع"؟ لقد تهاوى قناع الملك السعيد المستمتع. ظهرت حقيقتك العارية: أنت لم تعد ملكاً، أنت مجرد جندي مكلف بالدفاع في جيش النهم، والطمع، وسعار "هل من مزيد"

يسترخي جراسيوس في مقعده، ويضع نظارته الفاخرة على الطاولة ببطء، ثم يقول بلغة عملية وبرود:

-       السيد طه يصف الأمر وكأنه مأساة أو عذاب نفسي، لأنه ينظر إليه من مقعد المتفرج. الأمر ببساطة شديدة يتلخص في عبارة واحدة: (إنها اللعبة وقواعدها - The Game and its rules)” , نعم، أنا جندي في هذه اللعبة، ولكنني جنرال يقود معركته. المتعة التي تحدثتُ عنها في البداية لا تكمن في الاسترخاء الكسول، بل المتعة الحقيقية هي "أدرينالين التحدي"، متعة خوض غمار اللعبة نفسها والانتصار فيها، الصراع لا ينفي المتعة، بل يمنحها القيمة. قواعد "الجيم" تفرض عليك ألا تتوقف عن الحركة؛ لأن التوقف يعني الخروج، والخروج يعني الفناء الوجودي. لكي تحافظ على مركزك في قمة الهرم، لا بد أن تلعب بذكاء وقسوة، وأن تحرم منافسيك من كل الأوراق، وتلك هي ضريبة اللعب وفقاً لقواعد الجيم.

ينظر ارنيستو إلى جراسيوس بذهول ممزوج بالشماتة، ثم يلتفت نحو السيد طه ويهمس بصوته الناري الساخر:

-       أرأيت؟ لقد اعترف لك أخيراً بعبوديته للعبة، أنا حين عصيتُ، كان دافعي الكبرياء والخلد، أما هذا الطاغية الطيني فقد حوّل دماء البشر، ونفطهم، وقمحهم، وجوع أطفالهم إلى مجرد "أحجار نرد" في طاولة قمار دولية، ويقول لك بمنتهى البرود: هذا هو الجيم وتلك قواعده، لقد تبرأ من إنسانيته تماماً ليبقى مجرد ترس يدور في آلة النهم الرأسمالي، أرأيت ما قصدته بأهمية صناعة شيطان إنسي؟

تقدمت لأجلس على حرف مقعدي، ورحت أركز النظر على عيني جراسيوس، وسألته:

-       سيد جراسيوس، دعنا نتحدث بوضوح عن الحرية التي تتغنى بها؛ أنت ترى نفسك جنرالاً يحرك أحجار النرد في معركة البقاء الممتع، ولكنك في الحقيقة لا تملك أهم مقومات الحرية وهي "قدرة التوقف".

استند بظهره إلى ظهر مقعده ومدد قدميه للأمام وأجابني:

-       حضرتك الآن تخلط بين "قدرة التوقف" وبين "العجز عن الحركة". أنا لا أتوقف، ليس لأنني لا أملك القدرة، بل لأنني لا أملك الرغبة، التوقف في قاموسي ليس حرية، بل هو كسل الضعفاء الذين يكتفون بما في أيديهم خوفاً من مغامرة الغد.

جمع قدميه إلى الخلف وانحنى بظهره للأمام وتابع:

-       أنا أستمد وجودي وحريتي من استمرار الحركة والسيطرة. الحرية الحقيقية هي أن تملك القوة لتشكيل واقعك، وتوجيه مسار الأحداث، وحرمان منافسيك من أدوات اللعب، وتلك هي ضريبة اللعب وفقاً لقواعد الجيم، الخوف الذي تتحدث عنه وتسميه عبودية، هو في عالمنا الرأسمالي المحرك الذكي، هو الطاقة التي تبقي عقولنا في قمة مستويات اليقظة.  الجنرال لا يتوقف وسط المعركة ليثبت أنه حر، بل يستمر ليثبت أنه المنتصر.

التقط السيد طه الخيط في هذه اللحظة، وخاطب السيد جراسيوس بهدوئه الممزوج بثقة العالم:

-       تريد أن تثبت أنك المنتصر؟ هناك دائما أهداف لأي معركة إن تحققت تلك الأهداف لطرف أعلن أنه المنتصر، أرجو أن تُلقي لنا الضوء على مفهوم "النصر" في قواميس لعبتكم لو سمحت.

نظر جراسيوس إلى السيد طه، وارتسمت على وجهه ابتسامة باردة ممتلئة بالزهو، وحرّك يده في الهواء كمن يشرح بديهية إدارية، وقال:

  • مفهوم النصر في قاموسنا سيد طه ليس شريطاً أحمر يقطعه العدّاء في نهاية السباق ثم يستريح؛ اللعبة الرأسمالية ليس لها خط نهاية. النصر عندنا هو "الإقصاء المستمر للمنافسين والاستحواذ المطلق على المساحات". النصر هو أن أستيقظ كل صباح لأجد أرقام ثروتي قد تضاعفت، ونفوذي قد اتسع، وأن القوى التي كانت تحاول منافستي بالأمس قد تراجعت لتطلب التحالف معي أو الخضوع لشروطي اليوم. النصر هو ألا يملك أحد في هذا الكوكب القدرة على قول "لا" في وجه قراراتي. إنه باختصار: البقاء في قمة الهرم منفصلاً عن القطيع.

أطلق السيد طه زفرة هادئة، وهز رأسه بأسف ممزوج بالشفقة، واستدار بنظره نحو الأهرامات الشامخة بالخارج، ثم عاد ليوجه حديثه لجراسيوس بنبرة حاسمة:

  • إذن أنت تؤكد ما قلته لك؛ نصرك هو وهم كبير وسجن متجدد” , فالمعركة التي لا تنتهي، والنصر الذي لا يعقبه استقرار، هو المأساة بعينها. أنت تشبه ديكتاتوراً يخشى النوم حتى لا يغتاله حراسه، فهل يسمى الخوف المستمر نصراً؟ الأباطرة والفراعنة الذين بنوا هذه الأهرامات خلفنا، امتلكوا في زمانهم نفوذاً وإقصاءً ومساحات لم تحلم بها أنت ولا زمرتك، وظنوا أنهم حققوا النصر المطلق والخلود، فماذا كانت النتيجة؟ طواهم الطين وبقيت الحجارة شاهدة على زوالهم وتهافت أحلامهم. أنت تموت في اليوم ألف مرة رعباً من الفناء، وتسمي هذا الذعر الوجودي نصراً” ,

يبتسم السيد طه ابتسامة خفيفة، وينظر إلى جراسيوس بنظرة هادئة تنم عن عمق الحجة الفلسفية التي يحملها في جعبته وقال:

-       "الاستحواذ المطلق على المساحات؟ ليتك لم تطلق عليها استراتيجية يا سيد جراسيوس، لأنك بهذا التعبير وصفتَ “محض وهم” لا وجود له في قوانين الكون ولا حتى في قوانين اللعب التي تتغنى بها.

تراجع السيد طه أمين بظهره واستند إلى ظهر مقعده ثم لاذ بصمت للحظات بينما مال برأسه إلى يساره وتابع:

-       لو شبّهنا “الجيم الرأسمالي” بمباراة كرة قدم، فإن مساحات الملعب وقوانين الحركة تفرض تقاسماً حتمياً بين الطرفين المتنافسين؛ يتقدم فريق فيستحوذ على مساحة، ويتراجع الآخر ليغلق مساحة أخرى. لا توجد مباراة في التاريخ، مهما بلغت قوة الفريق وسيطرته، استطاع فيها أن يحقق “الاستحواذ المطلق بنسبة مئة بالمئة” , إلا في حالة واحدة كاشفة وفاضحة: أن يكون الفريق الآخر قد غاب تماماً عن الملعب ولم يحضر ليلعب” ,

تقدم السيد أمين وأسند كوعه إلى الطاولة وتابع بينما جراسيوس يبتسم باسترخاء:

-       هنا تكمن الفاجعة في منطقكم؛ أنتم لا تحققون الاستحواذ المطلق بذكائكم، بل تسعون لإعدام المنافس، وإلغاء الطرف الآخر، وتأميم وجوده بالكامل لتبقى وحدك في ملعب يخلو من المنافس، الاستحواذ المطلق في عالمٍ مادي متعدد يتناقض مع المنطق السليم؛ فكل جيم في هذا الكون قائم على التقاسم. أما ظنك بأنك ستمتلك كل المساحات ولا تترك للآخرين حتى مساحة التنفس، فاعذرني، هو غباء فلسفي يسمى “وهم القوة المطلقة”. أنت لا تلعب مع الآخر، بل تتلاعب به، أنت تريد أن تسلب نصرًا دون أن تلعب، ومثل هذا النهم لا ينتهي بنصر، بل ينتهي بانهيار الملعب على رأس من فيه.

أخذتُ نفساً عميقاً، ونقلتُ نظراتي ببطء بين جراسيوس وأرنيستو، ثم استدرتُ بكامل جسدي نحو البليونير، وشبكتُ أصابعي فوق الطاولة وأنا أبتسم بنبرة هادئة قائلا:

  • سيد جراسيوس، لقد تفاخرتَ الآن بـ “الخندق الاقتصادي” الذي تحفرونه حول قلاعكم وتملؤونه بالحقوق والتحالفات لمنع المنافسين من العبور. ولكن، ألا ترى المفارقة المفزعة في هندستكم هذه؟

-       هذا الخندق العميق الذي يمنع الآخرين من الوصول إليك، هو نفسه السجن الذي يمنعك أنت من الخروج إلى رحابة الحريةK أنت تقضي عمرك كله واقفا كحارس مذعور على حافة الخندق، خشية أن يردم الغزاة جزءاً منه، أو يبتكر لاعب جديد جسراً غامضاً ليعبر فوقه. سؤالي لك بوضوح: ما قيمة النفوذ والثروة، إذا كانت في جوهرها تحول صاحبها من “ملك إمبراطور” , إلى مجرد “سجّان” محبوس داخل أسوار حذرِه ورعبِه؟

ارتسمت على شفتي جراسيوس ابتسامة عريضة تَنم عن إعجابه بالسؤال، ومال برأسه إلى الخلف قليلاً وهو يطلق ضحكة هادئة وثقيلة، ثم قال بنبرة يملؤها الزهو المتزن

-       أسئلتك ذكية لكنها رومانسية؛ تتخيل الخندق سوراً من الأسمنت يحبسني داخله؟ الخندق الاقتصادي الذي نتحدث عنه هو خندق معنوي، جدار نفساني لإرهاب المنافسين وإبعادهم عن مجرد التفكير في دخول اللعبة، وليس سجناً مادياً يجعلني أعيش حبيساً. نحن نبني الخندق ونعمل على توسعته وتعميقه بصفة مستمرة، وهذا تحديداً ما يمنحنا شعوراً مطلقاً بالأمان والاستقرار في أعمالنا.

-       أما عن حياتنا؟ فنحن نستمتع بمباهج هذا العالم ونعيش ملذاته بنفس الحماس الذي نحمي به جبهة الخندق. انظر إليّ الآن؛ أنا أجلس معكم في هذا الاستوديو، أستمتع بهذا السجال الفكري، لكن في هذه اللحظة التي أتحدث فيها إليك، تتضاعف ثروتي وتزداد أرقام حساباتي كل ثانية دون تدخّل مباشر منيK أن تجعل المال يعمل وينتج لك ويتوالد ذاتياً بينما تستمتع أنت بحياتك، هذه هي الفلسفة المادية الرفيعة التي لا يستطيع صياغتها ولا عيشها إلا نحن، زمرة القمة التي تحكم العالم.

هنا، لملم السيد طه أوراقه برفق، ووضع كفيه متقاطعين أمامه على الطاولة، ونظر إلى جراسيوس بسخرية الفيلسوف الذي يرى العطب خلف الطلاء الذهبي، وقال بنبرة متهكمة هادئة:

-       يا لها من صورة وردية خلابة يا سيد جراسيوسK جعلتَ من نفسك إلهاً مادياً يستلقي على شواطئ المتعة بينما عبيده من الأرقام يكدحون لأجله. لكنك نسيت في غمرة هذا الزهو أن “خندقكم المعنوي” الذي تظنون أنه يحميكم قد جُرف بالكامل؛ انظر إلى الصين مثلاً، إنها الكابوس الفعلي الذي تعيش رُعبه زمرتكم في القمة كل ليلةK الصين لم تكتفِ بعبور خنادقكم التكنولوجية والتمويلية التي حفرتموها لسنوات، بل أنشأت خندقها الخاص؛ خندقاً عملاقاً وملغوماً بالصناعة والسيطرة وسلاسل الإمداد والابتكار المتتابع، يقف الغرب والعالم كله عاجزين عن تجاوزه أو ردمه حتى اليومK

-       تقول إنك تجلس معنا الآن والمال ينمو؟ نعم، ينمو لأنك ربطت قيمة وجودك البيولوجي بآلة افتراضية لو توقفت أو تراجعت مؤشراتها غداً لمرضتَ نفسياً وجسدياًK أنت لا تملك المال، بل الأرقام هي التي تملك وعيك. المتعة التي تتحدث عنها هي “تخدير موضعي” لروح مرعوبة من حتمية السقوط. زمرة القمة التي تحكم العالم—كما تسمي نفسك—هي الأكثر هلعاً في هذا الكوكب، لأن من يملك شبراً من الأرض يخشى خسارة شبر، أما من يظن أنه يملك كل المساحات، فهو يرتعد من نسمة هواء قد تزعزع عرشه.

قلّبت أوراق الإعداد، وسندتُ مرفقيّ على الطاولة، وشبكتُ أصابعي مقترباً بجسدي خطوة إضافية، ليتوزع نظري بين جراسيوس وأرنيستو بنظرة خالية من المجاملة، وقولت:

-       دعونا نغلق دفاتر الأرقام وخنادق وول ستريت، ولنتحدث في القضية الأخيرة، قضية المسؤولية الأخلاقية والوعي بالمنهج

-       أنتما الاثنين تصنعان رحى يطحن هذا العالم؛ سيد جراسيوس يرى أن مسؤوليته تنتهي عند حدود تعظيم ثروته، حتى لو كان ثمن ذلك إفقار الشعوب، وتدمير الأخلاق، وتحويل الإنسان إلى سلعة تُباع وتُشترى باسم الرفاهية. وأنت يا ارنيستو، ترى أن وظيفتك هي مجرد وسوسة وفتح أبواب، والقرارات يوقعها البشر بأنفسهم،

-       سؤالي لكما معاً سيد جراسيوس وأرنيستو، ولتبدأ بك سيد جراسيوس: هذا الانفلات الأخلاقي الشامل، وهذا التدمير الممنهج لقيم الإنسان التي ميزه بها الخالق، حين تقفون في نهاية المطاف أمام محكمة الحقيقة، على من تقع المسؤولية الكبرى؟ هل على الشرير الذي يحرك الخيوط من وراء الحجاب، أم على الطاغية المادي الذي يحول الشر إلى عقود ومؤسسات وقوانين ملزمة للبشر؟ بل دعني أختصر كل هذا وأقولها لكما صريحةً: أعتقد أن الضمير والأخلاق النبيلة ليس لهما أي مساحة في منهجية عمل أيّ منكما.

يعدل جراسيوس من جلسته ببرود تام، ولم تهتز شعرة واحدة في تعبيرات وجهه، بل نظر إلى المذيع نظرة باردة كشاشة بورصة مقفلة، وقال بنبرة ميكيافيلي ممتلئة بالواقعية الفظة:

-       أهذا اتهام أم مدح؟ أنت محق تماماً؛ الضمير والأخلاق النبيلة بمفهومها الرومانسي هي بضاعة خاسرة في عالمنا. في منهجية عملي، الأخلاق ليست مبدأً ثابتاً، بل هي “أداة تسويقية” يُعاد تشكيلها حسب حاجة السوقK نحن نتبرع بالملايين لجمعيات حماية البيئة وحقوق الإنسان، لا لأن ضمائرنا استيقظت، بل لأن هذا يمنح شركاتنا صورة ذهنية براقة من حيث المسئولية الاجتماعية لشركاتنا، ما يرفع من قيمة أسهمنا؛ فالأخلاق عندنا مجرد “مستند علاقات عامة”. أما المسؤولية التي تتحدث عنها، فمسؤوليتي الوحيدة والقانونية هي تجاه مجلس الإدارة والمستثمرين لتعظيم الثروات. محكمة الحقيقة في عالمي هي شاشة الأرقام، وكل ما عدا ذلك هو حديث ترفيهي للمدرجات.

هنا، انطلقت من حنجرة ارنيستو ضحكة مجلجلة حادة، تفتقد لأي وازع بشري، ومسح وجهه بيده النارية وهو ينظر لي بنظرة شامخة متجردة من أي ندم، وقال مستهزئاً:

-       أخيراً نطقتَ بالبديهيات، تسألني عن الضمير والأخلاق النبيلة في منهجي؟ هذا سؤال فاسد في منطق الوجود، أنا كائن أقسمتُ بعزة الله منذ نقطة البداية على الغواية فقط، عالمي مجرد من هذه الترفات البشرية جينياً ووظيفياً.  أنا لا أملك ترف الاختيار ولا حرية الضمير، أنا أتحرك وفق حتمية وظيفتي: أوسوس، وأفتح الأبواب، وأزين القبح.  لكن انظر إلى جراسيوس؛ هو يملك الإرادة، ويملك الاختيار، ومع ذلك يختار بكل برود أن يحول وسوستي الخفية إلى مصانع وقوانين ومؤسسات تطحن البشر، أنا شر مستتر بحكم القسم والوظيفة، أما هو فالشر المادي المستقر المُستعر الذي يبيع ويشتري في وعيكم.

أعاد السيد طه أمين نظارته إلى مكانها بتمهل، وساد الاستوديو صمت ثقيل احتراما لنبرته الوازنة الهادئة، ثم وجّه بصره للجميع وقال بصوت ممتلئ بحكمة السنين:

-       اعترافاتكما مذهلة في تعريها الأخلاقي، لكنها تضع الضحية أيضاً أمام مرآة الحقيقة؛ لطالما استحضرتُ مقولة الفيلسوف أفلاطون الشهيرة: “إن تجاهل الناس للسياسة وابتعادهم عنها لا يعني أنهم نجوا منها، بل يعني أنهم سلموا مصيرهم لمن قد لا يستحق، فأسوأ ما يمكن أن يحدث للمجتمع هو أن يحكمه من لا يملك الحكمة ولا يسعى للعدل”.

-       وحيث أن السياسة والاقتصاد وجهان لعملة واحدة، تصبح عبارة أفلاطون في نسختها المُحدثة اليوم: إن تجاهل الناس للسياسة وابتعادهم عنها، وعدم أخذهم بأسباب القوة الاقتصادية التي تؤمن لهم الاستقلالية اقتصادياً، يعني حتماً أنهم يستحقون حياة العبيد في المطلق.

-       نعم سيد جراسيوس، وأرنيستو، أنتما تمارسان أدواركما بنجاح؛ الأول بميكيافيلية فجة، والثاني بحتمية وظيفية أقسم عليها. لكن الشعوب والمجتمعات التي تتنازل عن وعيها، وتتخلى عن سعيها لامتلاك أدوات القوة والاستقلال، هي التي تفتح لكما بوابات قلاعها طواعية. المسؤولية الأخلاقية لا تقع على عاتق الشرير المحرك ولا الطاغية المادي فقط، بل تقع بالقدر ذاته على كل من رضي بالجهل، واختار التراجع، فصار بضعفه وسلبيته التغذية المستمرة لخندقكم وبقائكم في القمة.

عدَّلتُ من جلستي بحدة، ونظرتُ إلى السيد طه ممتناً لإشارته، ثم التفتُّ بحدة نحو جراسيوس، ونبرة صوتي تتصاعد بقوة لتخترق الصمت الرهيب في الاستوديو

-       السيد طه تحدَّث عن أخذ الشعوب بأسباب القوة، لكن كيف لها ذلك والمنظومة كلها مُفخخة؟ دعنا نفتح ملفاً تعتبره زمرتكم في القمة ملكية خاصة لها: ملف شراء الضمائر وتزوير إرادة الشعوب.

-       حتى المواطن الإيجابي اليوم، الذي يقرر ألا يتجاهل السياسة وينزل للإدلاء بصوته في الانتخابات، لا يساوره أدنى شك في أن من سيفوز محدد سلفاً في غرفكم المغلقةK إن نقطة الضعف في البناء الكوني، وبؤرة فساد هذا العالم كانت وستبقى دائماً هي: “القيادة”. فالقيادة حين تتمسك بالضمير، والأخلاق النبيلة، وخدمة المصلحة العامة، تنجو بأمتها وتصنع حصانتها، لكن استراتيجيتكم البرجماتية يا سيد جراسيوس لا تترك هذا للصدفة؛ أنتم تشترون القيادات وصناع القرار كما تشترون أي سلعة في السوق، وتصممون القوانين والانتخابات لضمان ألا يصل إلى كراسي الحكم إلا أولئك الذين ينحنون لزمرتكم، وينفذون جداول أعمال خنادقكم الاقتصادية

اختفت ابتسامة جراسيوس العريضة فجأة، وحلّت محلها ملامح هادئة، رصينة، ومصطنعة بعناية كملامح مرشح رئاسي في ليلة الانتخابات. شبك كفيه أمامه، وبدأ يتحدث بنبرة هادئة تفيض بالدبلوماسية والتدليس قال:

-       لقد ذهبتَ بعيداً في نظرية المؤامرة التي تستهوي الجماهيرK نحن لا نشتري ضمائر ولا نزور انتخابات؛ عالم اليوم أعقد بكثير من هذه الصورة التبسيطية. نحن مستثمرون، ومن حقنا الطبيعي والمشروع أن نبحث عن الاستقرار السياسي الذي يحمي استثماراتنا ويمكّن الاقتصاد من النمو. ما تسميه أنت “شراء قيادات”، نحن نسميه “دعم برامج واعدة” تتفهم لغة السوق وحرية التجارة والنمو الاقتصادي الذي يعود بالنفع على الجميع في النهايةK

-       السياسة المعاصرة تحتاج إلى تمويل ضخم لكي تصل برامجها إلى الناس، والقيادات الناجحة هي التي تدرك أن التحالف مع قطاع الأعمال هو السبيل الوحيد لخلق الوظائف وبناء الأوطان. نحن لا نفرض أحداً، الجماهير هي من تختار في النهاية، لكننا ندعم الرؤية الاقتصادية التي تضمن ألا تسقط المجتمعات في الفوضى. الاستقرار هو بضاعتنا، وبدونه لن تجد الشعوب حتى قوت يومها لتبحث عن الأخلاق.

أطلق ارنيستو زفيراً حاراً كدخان مرتعش، ورمق جراسيوس بنظرة احتقار ممزوجة بإعجاب شديد بهذا المستوى الرفيع من التدليس، ومال نحوي قائلاً بنبرة ساخرة:

-       أرأيت؟ كيف انقلبت صراحته إلى كذب مقدس بمجرد أن لَمسْتَ كرسّي “القيادة” هذا هو التدليس الرأسمالي في أبهى صوره، يملك الجرأة ليحدثك عن الاحتكار المادي، لكنه يرتعد من الاعتراف بأنه مهندس الدمى الذي يحرك الساسة من وراء الستار.

-       الأغلبية من بني جلدتكم يعلمون هذه الحقيقة يقيناً، يعلمون أن أصواتهم مجرد حبر على ورق، وأن الخيوط ممسوكة في غرف زمرته المغلقة، ولكنهم يقفون عاجزين، بلا قوة تتصدى للتغيير، لأنهم استمرأوا حياة التبعية، ولأن الخوف من “الفوضى” - التي يهددكم بها جراسيوس الآن - هو القيد الذي يحبسهم داخل خندقه.

تنفس السيد طه أمين الصعداء، وحرك يده ببطء كمن ينفض عن ثوبه غبار معركة لا تليق به، ثم نظر إلى جراسيوس وأرنيستو بنظرة هادئة ومترعة بالزهد، والتفت بوجهه كاملاً نحو كاميرا الاستوديو والمدرجات، وقال بنبرة صوت رخيمة، واثقة، ومستقرة:

-       لستُ في مقامٍ يسمح لي بالدخول إلى دهاليز السياسة التي عشتُ عمري كله أمقتها واحتقرها، أنا رجلٌ مُفكِر، مجالي الإنسانية والفلسفة والمنطق. لذلك، سأترك المشاهدين والمشاهدات والحضور هنا في المدرجات، أن يخرجوا من هذا المكان بلا انطباعات أُمليها عليهم، كلُّ إنسانٍ حُرٌّ في الفهم، والتفسير، واتخاذ المواقف.

أومأتُ برأسي احتراماً لترفع السيد طه، ثم التفتُّ مباشرة إلى الكاميرا الرئيسية، واعتدلتُ في وقفتي خلف الطاولة بنبرة هادئة، متزنة، وتخلو تماماً من التحيز وتوجهت بالحديث إلى المشاهدين عبر الكاميرات:

-       مشاهدينا الكرام، وصلنا إلى ختام هذه الحلقة الاستثنائية التي لم تكن مجرد حوار، بل كانت تشريحاً فلسفياً وإدارياً للبنية الوجودية التي تحرك عالمنا. وإذا أردنا تلخيص مخرجات هذا السجال في سطور موجزة، فنحن أمام ثلاث حقائق واضحة:

-       أولاً: إن صراع النفوذ وإدارة المؤسسات لا ينفصل عن الدوافع النفسية العميقة؛ حيث يتداخل رعب الفناء مع الرغبة العارمة في التوسع والاستمرار، وهو التناقض الذي يبني خنادق الاقتصاد المعاصرة لحماية المكاسب.

-       ثانياً: إن الآليات المادية مهما بلغت ذروة دقتها ومنطقها العملي، تظل في مواجهة دائمة مع حتمية المتغيرات الواقعية والجيوسياسية التي لا ترحم القلاع الحصينة.

-       ثالثاً وأخيراً: إن المسؤولية الأخلاقية والوعي بالمنهج هي حجر الزاوية في بناء المجتمعات، والقيادة المستقلة المبنية على القيم هي صمام الأمان، بينما التراجع والوعي المزيف يترك المساحات مفتوحة للتبعية المطلقة.

-       المعطيات الآن باتت واضحة تماماً بين أيديكم، والمنصات الفكرية ربما تكون قد كشفت أوراقها، والحكم في النهاية، كما قال السيد طه، متروك لوعيكم وقدرتكم على الفهم والتفسير.

-       شكراً لكم، وإلى اللقاء في حلقة قادمة.


 بمجرد أن انتهيت من عبارتي الختامية السابقة: انخفضت إضاءة الاستوديو تدريجياً وببطء، لتستقر الإضاءة المركزة البيضاء فقط فوق طاولة الحوار والجدران الزجاجية المحيطة بها. 

التفتُ بتمهّل لأصافح الضيوف واشكرهم كالمعتاد بعد نهاية التصوير؛ مدت يدي أولاً نحو المفكر السيد طه أمين، الذي بادلني الابتسامة بوقار وهز رأسه احتراماً. ثم التفتُ بكامل جسدي إلى الجانب الآخر لأصافح جراسيوس وأرنيستو.. لكن كفّي بقيت معلّقة في الفراغ، 

تجمّدت الدماء في عروقي، وجف ريقي مجدداً، بينما اتسعت عينا البليونير جراسيوس بذهول ورعب حقيقي امتص كل غطرسته المادية ويقينه البرجماتي؛ فالمقعد الوثير الفاخر الذي كان يجلس عليه أرنيستو منذ ثوانٍ معدودة أصبح فارغاً تماماً! 

لم يغادر ارنيستو عبر الأبواب الزجاجية، ولم تلتقط حركته الكاميرات المحيطة، ولم تتحرك ذرة هواء واحدة في القاعة الشاخصة؛ فقط تلاشى واختفى كأنه لم يكن، تاركاً وراءه بقعة باردة من العدم الوجودي. 

نظر جراسيوس مذهولاً إلى مقعد ابليس الخالي، ثم التفت بخوف دفين نحو السيد طه أمين الذي لم تبدُ عليه أي علامة مفاجأة؛ بل كان يلملم بقية أوراقه برفق كعادته، ثم نهض بتمهل ووقار، وهو يردد بصوت خافت أسمعه وأنا في صدمتي: 

- لقد انتهت وظيفته وتنظيره هنا يا بني.. وخرج ليمارس عمله الفعلي في الخارج.. حيث  
.ينتظره ملايين العبيد.   - 

الخاتمة

*****************