الاثنين، 15 يونيو 2026

أسوار لم تُهدم

أسوار لم تُهدم

الساعة تقترب من الحادية عشرة صباحاً، وما زال صالح يخشى مغادرة الفراش؛ فكل شيء من حوله يبثُ صقيعاً، إلا من ذلك الغطاء المهلهل الذي تدثر به.

لماذا يغادر الفراش وقد أضحى الملاذ الوحيد الذي يجد فيه الدفء، ويهرب بالنوم فيه من واقعه المرير؟ ذلك الواقع الذي بدأ مع تخرجه في الجامعة، وزادت مرارته مع رحلة البحث عن عمل حتى انتهى به إلى ذلك الفراش، فلا يكاد يفيق من نومٍ حتى يغط في نوم جديد.

لقد كان ممتازاً في دراسته، معروفاً لدى أساتذته رغم الكتل البشرية التي تزدحم بها قاعة المحاضرات. كان صالحٌ مميزاً في فقره، مميزاً في تميُّزِهِ واستيعابه.

قفز من الفراش مذعوراً وقد هاله صوت انهيارٍ ظن أن الهلاك بعده آت لا محالة. أسرع إلى النافذة يفتحها، ورغم البرد القارس إلا أنه أمسك بمقبض النافذة، ونظر إلى قصر أحفاد الباشا الذي طالما قبع أمام داره منذ نعومة أظافره. تصلبت كل أطرافه وشخَصَ بصره وهو يرى عمالاً كثيرين قد انتظموا في عملية هدم القصر؛ بدأت الجدران تتساقط، ومع سقوط كل كتلة يتكرر الدوي وترتفع أعمدة الغبار الكثيف.

عاد إلى الفراش بعد أن أغلق باب النافذة الزجاجي. إنه يستطيع أن يراقب كل ما يحدث عبر الزجاج، فهو يقطن بيتاً تكاد تلامس نوافذه رأس من يعبر الطريق، كما أن العمال يعملون في أعلى القصر.

أمس، ولأول مرة منذ قنع بملازمة الفراش، شعر بأن النوم يستعصي عليه. "إن قصراً من القصور يزول!".. قالها صالح لنفسه كأنما ينبه كل مَن وما حوله من جدران وهواء وأثاث متهالك. لم يلبث أن ابتسم، وبدا وجهه وكأنه لوحة فنية تعبيرية لليأس والسخرية من الذات، ولم يمضِ على العبور العظيم بضع سنوات.

لقد عادت به الذكريات إلى بداية الستينيات، عندما كان أحفاد الباشا يلعبون ويمرحون في أحضان الحديقة الغنّاء التي تحيط بالقصر، يحيط بها سورٌ عظيم يفصل القصر عن باقي المساكن التي أحاطت به من كل جانب، والتي حلت محل قصور الباشوات القديمة.

اختلاس النظر كان هو وسيلة صالح وقُرنائه لمشاهدة ما يتمتع به أطفال القصر وزوارهم. ومع الأيام تآكلت أحجار السور وهوى بعضها؛ فمنها ما هوى لضعف، ومنها ما هوى بعدما عبثت به أيدي أبناء الحي.

أفاق ذات ليلة على دويٍّ مُتلاحق، وأدرك في الصباح أن السور العظيم قد انهار. أسرع بالنزول إلى الطريق ونادى صَحبَهُ.

وقف كلٌ منهم ينظر إلى حديقة القصر وثمار أشجارها التي يسيل لها فمُ الظمآن. كان أطفال القصر يجلسون في الشرفة الفسيحة التي تطل على الحديقة يتناولون طعام إفطارهم؛ يومئذٍ ظن صالح أنه مع أبناء الحي سيلعبون ويمرحون مع هؤلاء الأطفال، وسيشاركونهم الحديقة وربما القصر، وربما تُولد قصة حب بين أحد أبناء الحي وبنات الباشا وزوارهم.. فقد انهار السور العظيم!

إن الأمر لا يحتاج إلا إلى بضعة أيام. ولِمَ لا؟ ألم ينهر السور الذي حال بينهم لسنوات؟ لقد أصبح الجميع يرى الجميع رأي العين. ألا تنطق العين؟ ألا تتحرك القلوب؟ ألم يأنِ لأطفال الحي أن تبتهج نفوسهم؟ إنها مجرد خطوات أعبر بها الأنقاض لأجد نفسي داخل الحديقة مع أحفاد الباشا.

صحيح أن أبي قال لي: "لقد ذهبت الألقاب بلا رجعة، ولم يعد هناك باشا وأفندي وبيك"، غير أن كل ما في ذلك القصر من مباهج وكل من فيه من البشر، حتى الخدم، قد صُبِغَ بصبغة تبعث في النفس الوقار، وتتسم بسمات تشعرني بالاحترام الناتج عن الخوف.

إن مجرد عبور أنقاض السور يحتاج لشجاعة لا أملكها.. "حتى الفقر يلاحقنا في الشجاعة؟!".

اتسعت الابتسامة الساخرة على وجهه وقد عاد من ذكريات السور، بينما عيناه تريان القصر يُهدم.

لم يمضِ زمن طويل على انهيار السور القديم حتى بدأ العمل في بناء سور جديد؛ أقوى وأكثر ارتفاعاً وأصلب عوداً. تلاشت أحلام صالح مع كل حجر يضاف إلى السور، ومع بوادر اكتمال السور أيقن صالح أن التفوق العلمي هو السبيل الوحيد لعبور السور، حتى ولو لم يمسه الزمان بسوء.

عاد ليقترب من النافذة وهو يتساءل: ترى هل يهدمون السور بعد أن يهدموا القصر؟ أم تُراهم سيشيدون قصراً أفخم ليقطنه أحد الأثرياء الجدد؟

لابد أنه لمليونير من أثرياء الانفتاح.. أو.....

لا، لا، لا، إنهم لا يفصحون عن ثرائهم!

لا بد أنه.....

أيا كان ومهما كان، فهو الباشا الجديد من باشوات الانفتاح، وأكيد من أصحاب الحرف أو المتاجرة في الممنوعات. لا أظن أن كل هذه المساحة الشاسعة ستكون لقِلة..

صحيح....

إن الأثرياء لا يقطنون حيّنا في هذا الزمان. لقد رحل أبناء الباشوات الواحد تلو الآخر وهجروا القصور، وماتت الهوانم وباع الأحفاد القصور، وجفت أشجار حدائقها وأصبحت أرضها بوراً لا تغني ولا تسمن من جوع بعد أن هجرها الأحفاد. وها هو القصر يُهدم اليوم، ويزول معه أحد معالم جمال الحي؛ فالقصور في الحي إما استولت عليها الدولة وحولتها لإدارات خدمية، أو هُدّمت وبرزت مكانها الأبراج العالية. أتراهم سيشيدون مجمعاً سكنياً؟ ربما برجاً على شاكِلة تلك الأبراج الشاهقة التي تغزو الأحياء هذه الأيام؟

عاد صالح إلى الطريق واقترب من رجلٍ ذي شارب كثيف وشفاه غليظة يجلس على مقعد من بقايا القصر عند مدخله، يمسك بطرف جلبابه بعد أن لف ساقاً فوق ساق. تراجع صالح وخطا بضع خطوات مُبتعداً عنه، ليجد نفسه بجوار حارس القصر فسأله هامساً:

  • عم أحمد، من هذا الذي يجلس عند مدخل القصر؟ جذبه الحارس إليه وهمس في أذنه:
  • إنه المعلِم زينهم أبو عطوة! لقد اشترى القصر بـ 500,000 جنيه، وباع الأنقاض بـ 100,000.. القصر مليء بالرخام والأخشاب النادرة. لقد خدمت الباشا ثم أبناءه ثم أحفاده من بعده في هذا القصر خمسين عاماً.. رحمك الله يا باشا، وسامح الله الأحفاد.

وبينما تفرغ صالح للاستماع إلى عم أحمد الحارس، قام المعلِم زينهم أبو عطوة وصاحَ بصوتٍ تُصم له الآذان:

  • أثبت كل شيء عندك في الدفتر يا عباس أفندي! أريد مزيداً من الحركة والنشاط.. انسَ أسلوب تلاميذ المدارس، ألا زلت تظن أنك طالب بالجامعة؟ أفق يا عباس وعش واقعك!

ثم اتجه إلى سيارة فاخرة، فجمع طرفي الجلباب فجعلهما بين قدميه، وكادت بدانتهُ تحول بينه وبين دخول السيارة، ثم انطلق بها والجميع يتابعونها حتى غابت عن الأنظار.

عاد صالح أدراجه إلى البيت ولم ينطق بحرف، وأسرع إلى الفراش. لحقت به والدته وسألته:

  • هل ستعود إلى الفراش مرة أخرى؟

نظرت في عينيه نظرة الأم؛ رأت هناك دموعاً حبيسة، وغماً، وهموماً دفينة. اقتربت منه ومسحت على رأسه:

  • ما بك يا بني؟

دفن وجهه في أحضان صدرها، وتعالى صوت بكائِه وهو يردد:

  • كيف لي أن أعبر السور؟
  • وكيف لي أن أعبر أنقاض السور؟!

  

الأحد، 14 يونيو 2026

ألى حبايبي الشباب

مفيش حاجة اسمها فشلت،

وياريت كنت عملت

ولا حتى ما عملت

امسك في أحلامك

حتى لو كانت جمرة نار واحترقت

امسك فيها طول ما تنفست.

*****

بلاش تقتل حلمك

امسك فيه وكمان أحلم،

بس في السكة ها تتألم،

ومش على كل حاجة تتندم

كفايه انك حاولت

و مالحاوله تتعلم

******

هو الألم ليه اتخلق؟

مش عشان نحمي حلم ها يتحَرق،

قول بكره ها كون اقوى

هو الصبر ليه اتخلق ؟

يا حبايبي

يا شباب

انتو لسه يا دوب عالباب

احلموا احلام كبيرة

دي الحياة لسه طويله

الحياة كلها علاقة حب

حب نفسك وأحلامك

الحياة ما تنتهيش بكسرة قلب

تنتهي أما تدفن أحلامك

الحياة انك تقع وتقوم وتكمل

الحياة انك لليأس أبدا ما تسلم

متضايق؟

شجع نفسك

مقفله معاك؟

سمع ربنا حسك

إنما

إياك تحرق حلمك

وتعيش أسير وهمك

وزميلك أحسن منك

قاعد تتحسر وتعض صابعك

ياخيبتك

ياريتها خلفت راجل بدالك 

خُذي مني القلم

خُـــذي من يـــديَ القلم

خُـــذي من جَيشيَ العلم

ما عــدتُ أشعرُ بفرحةٍ أو ألم

أتذكرين؟

حين اشتكت منا البساتين؟

حين استحال الظلامُ

ضياءً في الميادين؟

حين تقاسمنا قَسَماً

ألا نفترق حتى العدم؟

حين زرعنا فسيلةً

داوينا بعطرِها الألم؟

حين أطلقنا البصيرةَ

وزاغ البصر لروعة النِعم؟

حين شاركنا المَسيرةَ..

تشابكت الأيدي وخطى القدم؟

حين لامس نسيم الربيع

شعرك الليلي بضوء القمر؟

ماذا أقول لمهجتي

إن سألتني:

أكنا نلهو بِلَمَم؟

نأتيه ولا نُصرُّ عليه

ثم نُتبِعه الندم؟

إن مات العاشقونَ..

لن تجدي لي قــبراً عندهم

ابحثي عني..

بين قبور ملوك الألم!

هنالك.. حيث الجرحُ غائرٌ لا يلتئِم

وحيث السرابُ ســائرٌ يجرُّ الوَهن

عَــاشــقٌ سـَــاهـرٌ يلتحف الألم

ينزف جرحُه صامتاً..

وقد آلَ إلى سقم

فكيف كفرتِ بالجوى؟

وكيف هجرتِ بلا سببٍ..

بلا تُهَم؟ 

بستان القصائد

بستان القصائد


كلَّ يومٍ،

مع نسماتِ الفجرِ الرقيقْ،

أعبُرُ بستانَكِ اليانع

 فأرى على الأغصانِ قصائدَ

نظَمْتِها من كلِّ حرفٍ يافعْ.

قصائدُكِ لوحاتٌ شتى؛

تُحيينَ بها قلوباً طواها السكونْ،

وتوقظينَ بها أنفساً غافيةً،

وتداعبينَ بها حواشي الأحلامْ.

كيف لي ألا أطوفَ بهذا البستانْ؟

وكيف لي أن ألوذَ بالنسيانْ؟

والأفكارُ في مروجِكِ قد تشابكتْ

تشابكَ الأغصانْ،

والأسماءُ من جلالِ الحرفِ انمحتْ

لجلالِ هذا البُنيانْ!

أنتِ في العينِ طيفٌ ممتدْ

قادمٌ من أساطيرِ شهرزادْ،

فكيف أقطعُ البَيْنَ والأيامُ عنادْ؟

وكيف لقلبي أن يسلوَ،

والسُّهادُ يتقاذفُ سفينةَ الأحلامْ؟

أوَ ظننتِ أنني كنتُ ألهو؟

أتوهمتِ أن الفؤادَ قد يغفو؟

ها هو النومُ مُعرِضٌ،

والذهنُ شاردٌ في براري الغيابْ،

ما نسيتُكِ.. وإن هجرتِ؛

ففي الفؤادِ نُقِشَتْ نَجواكِ،

أسمُكِ ورَسْمُكِ وحَرْفُكِ الباقي.

أنتِ دُرَّةُ الحرفِ الأنيقْ،

ونورُ المِشكاةِ في الزمنِ العتيقْ،

ملكتِ قلبي

فغدا ملِكاً عاشقاً لا يفيق

وإن أفاقَ يوماً،

جَنَّ لعمقِ الحرفِ في بحرِكِ السحيقْ

 

 

محمد فخري السعيدي 

السبت، 13 يونيو 2026

من أنا



من أنا؟

أعصفورٌ لا يكترث بتغريداته مخلوق؟

أليثٌ في غابته يترنح مهرولاً ليتوارى في مأمنٍ بعدما بلغ من العمر أرذله؟ يتذكرُ ما سلف فيستجمع قواه الخائرة ليزأر، فتخرُج الآهات منه راغمة فيصمُت؟

أنسرٌ يُحلقُ في سماءٍ تعلو صحراء جرداء؟

من أنا؟

أروحٌ تهيم مُودعةً ذلك الجسد الذي أعياها بطموحٍ ما له من نفاد؟

أمخلوقٌ بلا منهجٍ يهديه السبيل؟

أكتلةٌ من شهواتٍ تتأجج وتخبو في غيابات جُبٍ ما له من قرار؟

من أنا؟

أأنا من أولئك الصم البكم الذين لا يعقلون وفي الظلمات يعمهون؟

أم أنا إنسان يُعالج الشر والخير بفطرةٍ جُبلت على الخير، بيد أن الشر يستمر في غزواته من كل حدب وصوب؟

العالم من حولي بات كالماء الأُجاج؛ 

قتلٌ وسفكُ دماءٍ واغتصابٌ وتكميمُ أفواه، 

نصحو على دمارٍ ونُمسي على سعيرٍ،

يتفاخرُ الأقوياء بما أحدثوا من دمارٍ وإزهاق أرواح، 

تتيتَّمُ أطفالٌ وتترمَّلُ نساءٌ، 

من نجوا يتجرعون الأحزان.

الحرية فيه حبيسةٌ خلف قضبان الغطرسة والقهر،

عليك أن تكون من الصم البكم كي تنجو بجسدك، 

تترك الألم يتجذر في أعماقك حتى تكونَ كأعجاز النخل الخاوية.

أنا إنسان..

في عالم

يتعادى الخلق لسلب الثروات، وتقييد الحريات، وفرض الهيمنةِ ليسلبوا كلمة الحق

عالمٌ الموت فيه أصبح أمنيةً أهون من الحياة، 

والحياة فيه مذلةٌ لا تُميز بين الفتى والكهل،

النعيم فيها مقصورٌ على من يفسدون، 

والجوع والعطش مقصورٌ على المصلحين المستضعفين.

فإلى أين المسير؟

أإلى خائنٍ ظننته أخاً في المصير؟

أم إلى طاغيةٍ يأسر روحي ويَسجنُ فؤادي؟

أم أتسولُ حريتي في ردهاتٍ مباني زجاجية زرقاء ظننتها يوماً تحميني؟

كل شيءٍ يهون عندهم في سبيل اغتصاب الثروات..

أنا وأنت أصبحنا رقماً؛

إما من الناجين وإما ممن شُيعوا إلى العدم،

إما من الشهداء وإما ممن ضميرهم انعدم.

فقل لي بالله عليك..

إلى أين المفر؟

أأختار من الجبال القمم؟

أم أن السلام في هذا العالم قد انهدم؟

 

  

تؤنسني وحدتي

تُؤنسُني وحدتي

فحفيفُ الأشجار يُخبرني

أنني إلى حُطام

يُقويني ضعفي

فزئيرُ الأُسد يخبرني

أن صوتي لن يُسمعَ

في ظلام

يُغنيني فقري

فأنينُ الجوعى يُريحني

أن ألهثَ خلف الأرقام

يُعافيني سقمي

فَجورُ الأصحاء علمني

 ألا أكونَ كالأنعام

ترعى ويكتنزُ لحمُها

يسوقها راعٍ

وكلابٌ عوام

لم تختر الراعي ولا الكلاب

ممنوعةٌ من الكلام

على ذلك تُولد

وعليه تحيا

لا يُعنيها ذبحُها حلالٌ أم حرام

يُريحني صممي

فقد سئِمتُ سمعَ

كذابٍ ونمام

تَطهرَ سمعي من النفاق

بالأمس لَقيتُهُ مَداحا

واليوم لَقيني زمّاماً

ما أشقاني ضَعفُ بصرٍ

بين أقوامٍ تُصبح ونُمسي

نيام

تتقاذفها كُرةٌ

وصوتُ مغني

وجمال راقصة

ولاعبٌ هُمام

لاذت بصمتٍ

تُصمُ له الآذان

أحالت الطاغية بطلا

والشهيد عندها يُلام

اكتظت الطرقات بالغاضبين

كهول وغلمان

ليسوا من أهل الضاد

ولكن للكرامة أقوام

يا أمةً لن يُجدي معها كلام

لا تعذروني..

فقد نَضُبَ معينُ الكلام.

 ت 

الخميس، 19 يناير 2017

هل العالم أفضل حالاً بعد هتلر؟

هل العالم أفضل حالاً بعد هتلر؟

بمعزلٍ عن التخلص من هتلر وحزبه النازي، هل يمكن لأحدٍ أن يخبرني ما هي الإنجازات الكبرى للحرب العالمية الثانية؟

أقنعوني بأن العالم بعد هتلر قد أصبح أفضل حالاً!

لقد استولى المنتصرون على زمام الأمور، فاستمر القتل، واشتعل استغلال الاقتصاديات الفقيرة لصالح الأثرياء وازدهر. وتحول مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة إلى مجرد أدوات في أيدي المنتصرين، يحركون بها الأحداث عبر حق النقض "الفيتو" بما يخدم مصالحهم فحسب.

بل إنهم وهبوا دولةً بأكملها للحركة الصهيونية اليهودية لإنشاء وطن، وأمدوا هؤلاء الصهاينة بأسلحة متفوقة.

إذن، كيف يكون العالم أفضل حالاً بعد الخلاص من هتلر؟

هل يملك أحدكم إجابة ذكية؟

قبل الحرب العالمية الثانية، أقنع الغربُ العالمَ بأن هتلر مجنون وسيقود البشرية إلى الكارثة، فتحالفوا وتخلصوا منه. ولكن بمجرد إزاحته، تقمصوا الدور ذاته الذي كان يلعبه، ولكن تحت مسميات لافتات جديدة، تلبيةً لأطماعهم وجشعهم المستجد.

لقد خلقوا تنظيم "داعش" وجهزوه بآلات حرب قوية، ثم عادوا لاحقاً وشكلوا تحالفاً للتخلص منه!

ليظل السؤال قائماً: هل سيصبح العالم أفضل؟

إن العبقري والغبي على حد سواء، ممن ذهبوا إلى الحروب في فيتنام، وأفغانستان، والعراق، سيتفقون تماماً وبيقين راسخ على أن "الحرب شيء غبي"، وأنها لا تقدم إجابة ذات معنى للسؤال الجوهري:

 

"لماذا يقتل الإنسانُ الإنسانَ، ولأي سبب؟".

 

لماذا تُنفق المليارات على تطوير أسلحة الدمار الشامل في الوقت الذي يتضور فيه مليارات البشر جوعاً حتى الموت في بلدان عديدة؟

أين هي حقوق الإنسان؟ أم أنها حكرٌ على المنتصرين يُلوّحون بها وقت الحاجة فقط؟!!

يدرك العباقرة والأغبياء معاً أن الحروب تتمحور بالكامل حول الموارد الاقتصادية، لا السياسة ولا أي شيء آخر، وتحديداً ليست من أجل الديمقراطية.

ثمة أمم تود الازدهار على حساب أمم أخرى، حتى لو اضطرها الأمر لمحو تلك الأمة من الوجود، بما في ذلك ارتكاب الإبادة الجماعية؛

تماماً مثلما فعلت الولايات المتحدة بالسكان الأصليين لأمريكا الشمالية، ومثلما فعلت إسرائيل ولا تزال تفعل بالفلسطينيين.

 

إن الحروب تدور حول "الطاقة" و"المياه"، وفوق كل ذلك: الهيمنة.

الإعلام، الذي يمتلك الصهاينة أغلبه، يستميت دائماً لإقناع العالم بأن للحرب قضية نبيلة ذات معنى.

مع ذلك، في عالمٍ بات فيه كل شيء يُنشر ويُوثق بالصور ومقاطع الفيديو عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعد الرأي العام العالمي ينخدع بالإعلام المموَّل،

ستظل الحقيقة تفرض نفسها رغماً عن كل القيود والمحاصرة.