السبت، 13 يونيو 2026

من أنا



من أنا؟

أعصفورٌ لا يكترث بتغريداته مخلوق؟

أليثٌ في غابته يترنح مهرولاً ليتوارى في مأمنٍ بعدما بلغ من العمر أرذله؟ يتذكرُ ما سلف فيستجمع قواه الخائرة ليزأر، فتخرُج الآهات منه راغمة فيصمُت؟

أنسرٌ يُحلقُ في سماءٍ تعلو صحراء جرداء؟

من أنا؟

أروحٌ تهيم مُودعةً ذلك الجسد الذي أعياها بطموحٍ ما له من نفاد؟

أمخلوقٌ بلا منهجٍ يهديه السبيل؟

أكتلةٌ من شهواتٍ تتأجج وتخبو في غيابات جُبٍ ما له من قرار؟

من أنا؟

أأنا من أولئك الصم البكم الذين لا يعقلون وفي الظلمات يعمهون؟

أم أنا إنسان يُعالج الشر والخير بفطرةٍ جُبلت على الخير، بيد أن الشر يستمر في غزواته من كل حدب وصوب؟

العالم من حولي بات كالماء الأُجاج؛ 

قتلٌ وسفكُ دماءٍ واغتصابٌ وتكميمُ أفواه، 

نصحو على دمارٍ ونُمسي على سعيرٍ،

يتفاخرُ الأقوياء بما أحدثوا من دمارٍ وإزهاق أرواح، 

تتيتَّمُ أطفالٌ وتترمَّلُ نساءٌ، 

من نجوا يتجرعون الأحزان.

الحرية فيه حبيسةٌ خلف قضبان الغطرسة والقهر،

عليك أن تكون من الصم البكم كي تنجو بجسدك، 

تترك الألم يتجذر في أعماقك حتى تكونَ كأعجاز النخل الخاوية.

أنا إنسان..

في عالم

يتعادى الخلق لسلب الثروات، وتقييد الحريات، وفرض الهيمنةِ ليسلبوا كلمة الحق

عالمٌ الموت فيه أصبح أمنيةً أهون من الحياة، 

والحياة فيه مذلةٌ لا تُميز بين الفتى والكهل،

النعيم فيها مقصورٌ على من يفسدون، 

والجوع والعطش مقصورٌ على المصلحين المستضعفين.

فإلى أين المسير؟

أإلى خائنٍ ظننته أخاً في المصير؟

أم إلى طاغيةٍ يأسر روحي ويَسجنُ فؤادي؟

أم أتسولُ حريتي في ردهاتٍ مباني زجاجية زرقاء ظننتها يوماً تحميني؟

كل شيءٍ يهون عندهم في سبيل اغتصاب الثروات..

أنا وأنت أصبحنا رقماً؛

إما من الناجين وإما ممن شُيعوا إلى العدم،

إما من الشهداء وإما ممن ضميرهم انعدم.

فقل لي بالله عليك..

إلى أين المفر؟

أأختار من الجبال القمم؟

أم أن السلام في هذا العالم قد انهدم؟

 

  

تؤنسني وحدتي

تُؤنسُني وحدتي

فحفيفُ الأشجار يُخبرني

أنني إلى حُطام

يُقويني ضعفي

فزئيرُ الأُسد يخبرني

أن صوتي لن يُسمعَ

في ظلام

يُغنيني فقري

فأنينُ الجوعى يُريحني

أن ألهثَ خلف الأرقام

يُعافيني سقمي

فَجورُ الأصحاء علمني

 ألا أكونَ كالأنعام

ترعى ويكتنزُ لحمُها

يسوقها راعٍ

وكلابٌ عوام

لم تختر الراعي ولا الكلاب

ممنوعةٌ من الكلام

على ذلك تُولد

وعليه تحيا

لا يُعنيها ذبحُها حلالٌ أم حرام

يُريحني صممي

فقد سئِمتُ سمعَ

كذابٍ ونمام

تَطهرَ سمعي من النفاق

بالأمس لَقيتُهُ مَداحا

واليوم لَقيني زمّاماً

ما أشقاني ضَعفُ بصرٍ

بين أقوامٍ تُصبح ونُمسي

نيام

تتقاذفها كُرةٌ

وصوتُ مغني

وجمال راقصة

ولاعبٌ هُمام

لاذت بصمتٍ

تُصمُ له الآذان

أحالت الطاغية بطلا

والشهيد عندها يُلام

اكتظت الطرقات بالغاضبين

كهول وغلمان

ليسوا من أهل الضاد

ولكن للكرامة أقوام

يا أمةً لن يُجدي معها كلام

لا تعذروني..

فقد نَضُبَ معينُ الكلام.

 ت 

الخميس، 19 يناير 2017

هل العالم أفضل حالاً بعد هتلر؟

هل العالم أفضل حالاً بعد هتلر؟

بمعزلٍ عن التخلص من هتلر وحزبه النازي، هل يمكن لأحدٍ أن يخبرني ما هي الإنجازات الكبرى للحرب العالمية الثانية؟

أقنعوني بأن العالم بعد هتلر قد أصبح أفضل حالاً!

لقد استولى المنتصرون على زمام الأمور، فاستمر القتل، واشتعل استغلال الاقتصاديات الفقيرة لصالح الأثرياء وازدهر. وتحول مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة إلى مجرد أدوات في أيدي المنتصرين، يحركون بها الأحداث عبر حق النقض "الفيتو" بما يخدم مصالحهم فحسب.

بل إنهم وهبوا دولةً بأكملها للحركة الصهيونية اليهودية لإنشاء وطن، وأمدوا هؤلاء الصهاينة بأسلحة متفوقة.

إذن، كيف يكون العالم أفضل حالاً بعد الخلاص من هتلر؟

هل يملك أحدكم إجابة ذكية؟

قبل الحرب العالمية الثانية، أقنع الغربُ العالمَ بأن هتلر مجنون وسيقود البشرية إلى الكارثة، فتحالفوا وتخلصوا منه. ولكن بمجرد إزاحته، تقمصوا الدور ذاته الذي كان يلعبه، ولكن تحت مسميات لافتات جديدة، تلبيةً لأطماعهم وجشعهم المستجد.

لقد خلقوا تنظيم "داعش" وجهزوه بآلات حرب قوية، ثم عادوا لاحقاً وشكلوا تحالفاً للتخلص منه!

ليظل السؤال قائماً: هل سيصبح العالم أفضل؟

إن العبقري والغبي على حد سواء، ممن ذهبوا إلى الحروب في فيتنام، وأفغانستان، والعراق، سيتفقون تماماً وبيقين راسخ على أن "الحرب شيء غبي"، وأنها لا تقدم إجابة ذات معنى للسؤال الجوهري:

 

"لماذا يقتل الإنسانُ الإنسانَ، ولأي سبب؟".

 

لماذا تُنفق المليارات على تطوير أسلحة الدمار الشامل في الوقت الذي يتضور فيه مليارات البشر جوعاً حتى الموت في بلدان عديدة؟

أين هي حقوق الإنسان؟ أم أنها حكرٌ على المنتصرين يُلوّحون بها وقت الحاجة فقط؟!!

يدرك العباقرة والأغبياء معاً أن الحروب تتمحور بالكامل حول الموارد الاقتصادية، لا السياسة ولا أي شيء آخر، وتحديداً ليست من أجل الديمقراطية.

ثمة أمم تود الازدهار على حساب أمم أخرى، حتى لو اضطرها الأمر لمحو تلك الأمة من الوجود، بما في ذلك ارتكاب الإبادة الجماعية؛

تماماً مثلما فعلت الولايات المتحدة بالسكان الأصليين لأمريكا الشمالية، ومثلما فعلت إسرائيل ولا تزال تفعل بالفلسطينيين.

 

إن الحروب تدور حول "الطاقة" و"المياه"، وفوق كل ذلك: الهيمنة.

الإعلام، الذي يمتلك الصهاينة أغلبه، يستميت دائماً لإقناع العالم بأن للحرب قضية نبيلة ذات معنى.

مع ذلك، في عالمٍ بات فيه كل شيء يُنشر ويُوثق بالصور ومقاطع الفيديو عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعد الرأي العام العالمي ينخدع بالإعلام المموَّل،

ستظل الحقيقة تفرض نفسها رغماً عن كل القيود والمحاصرة.

هل ينبغي لي أن أكره؟

  1. هل ينبغي لي أن أكره؟

هل يُفترض بي أن أكره الشعب الألماني بسبب ما اقترفه هتلر بحق الإنسانية؟ 

هل يجب أن أكره الشعب السوري لما فعله بشار بالشرق الأوسط والعالم؟ 

هل ينبغي لي أن أكره كل مواطن أمريكي بسبب ما تفعله الإدارات الأمريكية بالعالم؛ بدءاً من فيتنام، ووصولاً إلى غض الطرف والسكوت عن التنكيل والتعذيب الإسرائيلي بحق الفلسطينيين، ومهاجمة إيران؟ 

هل يجب أن أكره اليابان بسبب غزو "بيرل هاربر"؟

إن السياسة هي مستنقع قذر، 

من ذاك المستنقع تتطاير شظايا الحروب هنا وهناك. 

سأكون متشخصناً ومتحيزاً للغاية لو أنني أجبتُ على أيٍّ من الأسئلة السابقة بـ "نعم"، 

كما سأكون مغيباً لو اعتقدتُ يوماً أن العالم - يوماً ما - سينعم بالسلام؛ 

فما دام هناك سياسيون تحركهم دوافع اقتصادية أو عرقية شريرة، سيظل العالم يتخبط في الاضطرابات والاضطرام.

لم يكن لدى صدام حسين أسلحة دمار شامل، لكن الشعب العراقي بأكمله لا يزال يدفع الثمن حتى يومنا هذا جراء المؤامرة الأمريكية على العراق، والتي كان النفط العراقي هدفها ومحورها الأساسي.

أوه، لقد نسيتُ سؤالاً واحداً سأجيب عليه حتماً بـ "نعم"

هل يجب أن أكره كل اليهود بسبب ما اقترفه الصهاينة في فلسطين؟ هنا، تختلف الإجابة تماماً؛

ببساطة لأن أرضاً كاملة لدولة واحدة تُدعى "فلسطين" قد سُرقت بمباركة وتأييد من بريطانيا والأمم المتحدة لإنشاء دولة جديدة تُدعى "إسرائيل"، بينما يُسام سكان الأرض الأصليون سوء العذاب والتنكيل كل يوم، وحين يجاهدون ويقاتلون لتحرير وطنهم السليب، يتم وسمهم وتصنيفهم في نهاية المطاف بأنهم "إرهابيون".

لا تقل لي: "أنا يهودي ولا أؤيد الصهيونية"، وأنت تسكن في بيت فلسطيني حُرم من بيته، وتتمتع بخيرات أرضٍ ليست أرضك!

لحظات إنسانية وبركانية

لحظات إنسانية وبركانية

عندما تحتبس الأنفاس،

عندما تختنق الحناجر،

عندما نُخفي وجوهنا حتى لا يرى ضعفنا أحد،

عندما نمتنع عن الكلام حتى لا يدرك من حولنا أن كلماتنا تبعثرت واختنقت بالبكاء رغم أن العين لم تدمع،

عندما يسري الحزن منا مسرى الدم في الشرايين،

عندما تجتمع علينا أحزان العمر قاطبة لتغشانا من فوقنا ومن تحتنا وعن أيماننا وعن شمائلنا، ونغرق ونحن نحاول مصارعة أمواجها العاتية المندفعة نحونا بقوة وقسوة،

في تلك اللحظة التي نفقد فيها الإحساس بكل من وما حولنا، ونرتمي في أحضان الوحدة لتعتصر منّا ما تبقى من حياة وأحلامٍ وردية؛

نبحث عن ذلك الإنسان الذي طالما شكونا إليه بثنا وحزننا وشجوننا، لنشعر بالسكينة والطمأنينة ونحن نرتمي على صدره.

ربما لا يمنحنا سوى الإنصات، ربما يضيف إلى إنصاته ربةً على كتفٍ أو لمسةً حانيةً على الرأس، ربما يتفضل علينا بضمةٍ إلى صدره، لكننا نُـفرِغ ما بنا من حُمم بركانية للنفس المتوهجة الملتهبة، لنخرج بعدها ونحن في حالة أقرب ما تكون من السكينة والاطمئنان.

ربما يلجأ المؤمنون منا إلى الله؛ ينظرون إلى السماء وأعينهم تفيض من الحزن، وقلوبهم تنخلع من صدورهم لتصعد إلى السماء ترجو ربها أن يمنحها السكينة.

لو أطلقنا على حالنا تلك "ضعفاً"، وجب علينا أن نعترف بالضعف لكل البشرية ولا نخجل منه.

ولو أسمينا تلك الحالة "اكتئاباً"، وجب علينا أن نعترف أن الاكتئاب ليس مرضاً نفسياً، ولكنه ظاهرة إنسانية طبيعية وعامة، ناتجة عن مؤثرات اجتماعية واقتصادية وحرية تعبير.

إذًا، ماذا نسمي تلك الحالة بعيداً عن مصطلحات علم النفس والتحليلات النفسية؟

لكي نفهم النفس البشرية التي خُلقت من الطين وسينتهي بها المآل إلى الطين، لابد لنا أن نفهم الأرض التي خُلقنا منها؛

ليس من منظورها الديموجرافي بقدر ما نحتاج أن نفهم الجذور التي تمتد في أعماقها حتى نفهم ما يحدث في أعماقنا.

فمهما كان الحال على السطح هادئاً وجميلاً ويبعث في النفس الإحساس بالجمال والراحة، هناك أنهار من الماء تجري وتتدفق من تحت هذا السطح. ومن أسفل تلك الأنهار، هناك أنهار من المعادن المنصهرة الملتهبة تتدفق كما تتدفق الأنهار على السطح. ورغم وصولها إلى درجات الغليان وتجاوزها لتلك الدرجات، إلا أن لها مسارات تتحرك في إطارها وكأنها جداول ماء.

لكن عندما تقترب تلك الحمم من نقطة ضعيفة في القشرة الأرضية تنفذ من خلالها؛

تَنبَجِسُ في البداية ضعيفةً وقليلةً، ثم لا يلبث أن تزداد قوة واندفاعا بكميات كبيرة، ويستمر في التغلب على نقاط الضعف التي يقابلها حتى يصل إلى سطح الأرض، فتثور ثورة بركانية، وتخرج تلك الحمم من باطن الأرض وتتطاير في الفضاء وتتبعثر وتنتشر على الأرض حول نقطة خروجها.

بقدر الضرر الذي تُلحقه بمن وما حولها، إلا أنها بعد سنوات تُحيل الأرض إلى أرضٍ خصبةٍ تنمو النباتات عليها لتعطي أفضل الثمار.

وهذا هو حال الإنسان؛ تراه من الخارج في سكون وهدوء، بينما تعتلج نفسه بالحمم النفسية التي تبحث عن نقطة ضعف لتنفذ من خلالها إلى السطح. ورغم أننا نكون في حزنٍ لحظة خروجها، إلا أن خروجها يفيدنا كثيراً فيما بعد، ويزيد من خصوبة نفسيتنا وقدرتنا على الإبداع والإنتاج.

لا تقل أني مكتئب

فقط إنتظر البركان الذي يأتي من بعده الخير الوفير.