هل تُعد النقدية، وحسابات العملاء (الذمم)، والمخزون أصولاً غير
مُنتجة؟
في عالم الأعمال، غالباً ما تُصنّف النقدية وحسابات الذمم
والمخزون - أو على الأقل يتُعتبر - على أنها أصول غير مُنتجة للدخل.
هذه النظرة يشوبها قصور؛ فالسؤال الحقيقي لا ينبغي أن يكون:
هل يُدرّ هذا الأصل دخلاً بشكل مباشر؟
بل ينبغي أن يكون:
ما مدى كفاءة الإدارة في توظيف رأس المال المستثمر في هذا
الأصل؟
فأي
أصل من أصول رأس المال العامل يُدار
بكفاءة يمكن أن يساهم في تعزيز الربحية، وخفض تكاليف التمويل، وتحسين السيولة، وفي
النهاية زيادة قيمة ثروة المساهمين.
لنلقِ نظرة على المكونات الثلاثة الرئيسية:
1.
النقدية:
ليس من الضروري أن تظل كل
النقدية خاملة
غالباً ما يُنظر إلى النقدية على أنها أصل غير مُدرّ للدخل
لأن الأموال المودعة في حساب مصرفي قد تحقق عائداً ضئيلاً أو معدوماً.
لكن المشكلة لا تكمن في النقدية بحد ذاتها، بل في النقدية
الخاملة (غير المستغلة).
تحتاج الشركة إلى رصيد نقدي تشغيلي كافٍ للوفاء بالتزامات الأجور
والمرتبات، ومستحقات الموردين، والضرائب، وسداد الديون، والمتطلبات غير المتوقعة. ومع ذلك، فإنه بما يتجاوز هذا الرصيد التشغيلي
الضروري، يمكن للإدارة الفعالة للخزينة تحويل فائض السيولة إلى أصل مُدرّ للدخل.
واعتماداً على سياسة المخاطر ومتطلبات السيولة لدى الشركة،
يمكن استثمار فائض النقدية في أدوات آمنة نسبياً وقصيرة الأجل، مثل:
• أذونات
الخزانة
• شهادات
الإيداع
• الودائع
المصرفية قصيرة الأجل
• أدوات
سوق النقد
• استثمارات
أخرى منخفضة المخاطر وعالية السيولة
ولكن، هل تعرف كيف تحدد فائض النقدية لديك؟ ستجيبك إدارة
الخزينة.
الهدف ليس المضاربة بسيولة الشركة، بل الهدف بسيط:
جعل فائض السيولة يُدرّ عائداً مع بقائه متاحاً عند الحاجة
إليه.
لذا، فإن السؤال المناسب ليس:
كم تملك الشركة من النقدية؟
بل:
كم تحتاج الشركة من النقدية، وماذا تفعل بالفائض؟
2. الذمم المدينة:
للائتمان تكلفة
غالباً ما يُنظر إلى الذمم المدينة على أنها أصل لا يدرّ
عائداً.
دعونا نناقش هذا التصور:
الذمم المدينة ليست مجرد مبلغ مستحق للشركة، بل هي أيضاً
نتاج لقرار ائتماني، ولكل قرار ائتماني تكلفة اقتصادية.
لننظر في شروط الدفع المُتعارف عليها:
2/10، صافي 30 (2/10, Net 30 )
يحصل العميل على خصم تعجيل دفع بنسبة 2% إذا سدد الفاتورة
خلال 10 أيام. وإذا اختار العميل السداد في اليوم الثلاثين، فإنه يتنازل فعلياً عن
خصم الـ 2% مقابل الاحتفاظ بالأموال (أو اقتراضها) لمدة 20 يوماً إضافية.
وهذه النسبة (2%) ليست ضئيلة؛ فإذا حسبناها على أساس سنوي
بسيط:
2% ÷ 20 يوماً
× 360 يوماً = 36%
بعبارة أخرى، يدفع العميل فعلياً (ونحن نكسب) ما يقرب من 36%
سنوياً مقابل تلك الأيام العشرين الإضافية من التمويل، وذلك قبل احتساب أثر
الفائدة المركبة. أما عند الحساب على أساس سنوي فعلي، فإن التكلفة الضمنية تكون
أعلى من ذلك.
والآن، لننظر في الحالة التالية:
لدى الشركة خيار الدفع للمورد خلال 10 أيام والحصول على خصم
الـ 2%.
لكنها بدلاً من ذلك، تتنازل عن الخصم وتقترض الأموال لمدة 20
يوماً أخرى.
وفي الوقت نفسه، تقترض الشركة من البنك بمعدل فائدة سنوي
فعلي يبلغ، لنفترض، 19%.
لو اقترضت الشركة من البنك لسداد قيمة الائتمان التجاري
(الذي تبلغ تكلفته أعلى)، لكان بإمكانها توفير 17%.
ولكن قبول الائتمان التجاري وتحمل تكلفة التمويل تلك يؤدي
-من الناحية الاقتصادية- إلى تآكل جزء من ثروة المساهمين.
فالشركة قد قامت فعلياً بما يلي:
تخلت عن ميزة تمويلية تعادل حوالي 36% سنوياً، بينما تحملت
في الوقت نفسه تكلفة تمويل قدرها 19% سنوياً.
وبالتالي، فإن الشركة تدفع للبنك 19% بينما تتنازل طواعية عن
فرصة ذات قيمة سنوية ضمنية أعلى بكثير.
ولهذا السبب، تتطلب الإدارة الفعالة للائتمان ورأس المال
العامل النظر إلى ما هو أبعد من مجرد الميزانية العمومية.
فالسؤال ليس ببساطة:
ما هو حجم الذمم المدينة لدينا؟
أو
كيف يبدو جدول أعمار الديون (تحليل فترات الاستحقاق) لدينا؟
ينبغي أيضاً طرح السؤال التالي:
ما هي التكلفة الاقتصادية للائتمان الذي نمنحه، وما هي
التكلفة الاقتصادية للائتمان الذي نحصل عليه؟
وعليه، ينبغي لإدارة الائتمان الفعالة أن تُقيّم الجوانب
التالية:
• الجدارة
الائتمانية للعملاء؛
• شروط
الدفع؛
• خصومات
تعجيل الدفع؛
• فترات
التحصيل؛
• الأرصدة
المتأخرة السداد؛
• مخاطر
الديون المعدومة؛
• تكلفة
الأموال الخاصة بالشركة؛ و
• تكلفة
الفرصة البديلة لرأس المال المُجمّد في حسابات الذمم المدينة.
وينطبق المبدأ ذاته في الاتجاه المعاكس؛
فإذا تمكنت الشركة من تسريع التحصيل دون الإضرار بعلاقاتها
مع العملاء، فسيمكنها تحرير رأس المال المرتبط بالذمم المدينة، وتقليل الحاجة
للاقتراض، وخفض تكاليف التمويل، وتحسين توليد النقد.
ومن ثم، لا تُعد الذمم المدينة بالضرورة أصلاً غير مُدرٍّ للدخل؛
بل من الأفضل النظر إليها باعتبارها رأس مال مستثمراً في
دورة الائتمان.
ويعتمد العائد - أو التكلفة - على مدى ذكاء الإدارة في هيكلة
هذا الائتمان وإدارته.
وعليه، فإن إدارة الذمم المدينة لا تقتصر ببساطة على:
مدى سرعة التحصيل؟
بل تتعلق بتحقيق توازن أمثل بين العوامل التالية:
نمو المبيعات
الائتمان الممنوح للعملاء
شروط الائتمان
مخاطر التحصيل
تكلفة التمويل
العائد على رأس المال.
وبذلك، يمكن لقسم الائتمان الفعّال أن يخلق قيمة اقتصادية،
حتى وإن كانت الذمم المدينة في حد ذاتها لا تدر عادةً دخلاً من الفوائد.
2.
المخزون:
التكلفة لا تقتصر على التخزين
يُعد المخزون ربما المثال الأوضح في هذا الصدد.
يُعتبر المخزون عنصراً ضرورياً لمعظم الشركات؛ فبدونه قد يتوقف
الإنتاج، وتُصاب العملاء بخيبة أمل، وتُفقد فرص البيع.
غير أن المخزون المفرط يمثل رأسمال مجمد مؤقتاً ضمن الدورة التشغيلية.
ولهذا الرأسمال "تكلفة فرصة بديلة".
إذا احتفظت شركة بمخزون غير ضروري بقيمة 100 مليون جنيه مصري،
فإن التكلفة الاقتصادية لا تقتصر على:
• التخزين
• التأمين
• المناولة
• التلف
• التقادم
بل ثمة تكلفة أخرى غالباً ما يتم تجاهلها:
وهي العائد الذي كان بإمكان الشركة تحقيقه لو لم يتم تجميد مبلغ
الـ 100 مليون جنيه هذا في المخزون دون داعٍ.
وهنا تبرز أهمية الإدارة الفعالة للمخزون.
يمكن لمبادئ نظام "الإنتاج في الوقت المناسب" (Just-in-Time - JIT) عندما يكون ذلك ممكناً من الناحية التشغيلية أن تقلل من المخزون غير الضروري.
أما في الحالات التي لا يكون فيها تطبيق نظام (JIT) عملياً - نظراً لعدم اليقين في
سلاسل التوريد، أو فترات الاستيراد الزمنية، أو متطلبات الإنتاج، أو اعتبارات تشغيلية
أخرى - فيمكن أن يتمثل الهدف بدلاً من ذلك في تحديد حد أدنى مناسب للرصيد التشغيلي،
وضبط مستويات كافية لإعادة الطلب، و/أو إقامة تعاون أو تحالفات رأسية مع الموردين.
يعتمد المستوى المناسب على طبيعة النشاط ومدة دورة الإنتاج في
الشركات الصناعية.
إن الغاية ليست الوصول إلى الحد الأدنى من المخزون بأي ثمن.
بل الغاية هي: تحقيق المستوى الأمثل للمخزون.
فالمخزون القليل جداً قد يقضي على المبيعات.
والمخزون المفرط يدمر القيمة.
القضية الجوهرية:
رأس المال العامل هو نتاج لقرارات الإدارة
لذا، لا ينبغي النظر تلقائياً إلى النقد والذمم المدينة والمخزون
على أنها أصول غير مُدرّة للدخل.
بل من الأفضل اعتبارها رأسمالاً مُوظَّفاً في الدورة التشغيلية.
وتعتمد مساهمتها الاقتصادية بشكل كبير على كفاءة الإدارة.
لنأخذ مثالاً لشركتين تتطابقان تماماً في:
• الإيرادات
• هامش
الربح الإجمالي
• الأرباح
قبل الفوائد والضرائب والإهلاك والاضمحلال (EBITDA)
• الأصول
• والربح
المحاسبي.
تحتفظ الشركة (أ) بسيولة نقدية مفرطة، وتمنح تسهيلات ائتمانية
متساهلة، وتحتفظ بمخزون زائد عن الحاجة.
بينما تحافظ الشركة (ب) على سيولة منضبطة، وتدير الذمم المدينة
بكفاءة، وتحتفظ بمخزون عند مستوى ملائم اقتصادياً.
قد تبدو الأرباح المعلنة للشركتين متشابهة في البداية.
لكن الشركة (ب) قد تحتاج إلى رأس مال أقل بكثير لتحقيق نفس المستوى
من الإيرادات.
وهذا يعني:
معدل دوران أصول أعلى
متطلبات تمويل أقل
تكاليف تمويل أقل
قدرة أفضل على توليد النقد
عائد أعلى على رأس المال المستثمر
وربما:
قيمة أعلى للمساهمين.
ولهذا السبب، تستحق إدارة رأس المال العامل ألا يُنظر إليها كمجرد
إجراء محاسبي، بل كنهج لخلق القيمة.
________________________________________
من "أصول غير مُدرّة للدخل" إلى "رأسمال مُنتِج"
ربما يجدر بنا تغيير المصطلحات.
فبدلاً من التساؤل عما إذا كان النقد والذمم المدينة والمخزون
"أصولاً مُدرّة للدخل"، ينبغي أن نتساءل عما إذا كان رأس المال المستثمر
فيها يُوظَّف بشكل مُنتِج.
يمكن للنقد أن يحقق عائداً.
ويمكن للذمم المدينة أن تخلق قيمة اقتصادية من خلال شروط ائتمان
منضبطة وعمليات تحصيل فعالة.
كما يمكن للمخزون أن يدعم المبيعات مع تقليل تكلفة الفرصة البديلة
لرأس المال المُجمّد.
ولا ينبغي إدارة أي من هذه الأصول بمعزل عن الأخرى.
فهي مكونات مترابطة في الدورة النقدية.
لذا، يجب أن يكون الهدف النهائي للإدارة هو:
ليس تقليل رأس المال العامل إلى أدنى حد، بل تحديد المستوى الأمثل
لرأس المال اللازم للتشغيل بربحية وأمان.
وهذا التمييز مهم للغاية.
فانخفاض رأس المال العامل بشكل مفرط قد يضر بالشركة.
بينما قد يؤدي ارتفاعه المفرط إلى تدمير قيمة ثروة المساهمين
بصمت.
والعامل الحاسم هنا هو كفاءة الإدارة، أو على الأقل "كيفية
نظر الإدارة إلى هذه البنود الثلاثة لرأس المال المستثمر.
ولعل السؤال الأهم للمحلل المالي ليس:
ما هو حجم رأس المال العامل لدى هذه الشركة؟
بل:
ما مدى كفاءة هذه الشركة في تحويل رأس المال العامل إلى أرباح
ونقد؟
فهنا قد تكمن القصة الحقيقية خلف أرقام الميزانية العمومية.
مع تمنياتي بالخير للجميع
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق