أسوار لم تُهدم
الساعة تقترب من الحادية عشرة صباحاً، وما زال صالح يخشى
مغادرة الفراش؛ فكل شيء من حوله يبثُ صقيعاً، إلا من ذلك الغطاء المهلهل الذي تدثر
به.
لماذا يغادر الفراش وقد أضحى الملاذ الوحيد الذي يجد فيه
الدفء، ويهرب بالنوم فيه من واقعه المرير؟ ذلك الواقع الذي بدأ مع تخرجه في
الجامعة، وزادت مرارته مع رحلة البحث عن عمل حتى انتهى به إلى ذلك الفراش، فلا
يكاد يفيق من نومٍ حتى يغط في نوم جديد.
لقد كان ممتازاً في دراسته، معروفاً لدى أساتذته رغم الكتل
البشرية التي تزدحم بها قاعة المحاضرات. كان صالحٌ مميزاً في فقره، مميزاً في
تميُّزِهِ واستيعابه.
قفز من الفراش مذعوراً وقد هاله صوت انهيارٍ ظن أن الهلاك
بعده آت لا محالة. أسرع إلى النافذة يفتحها، ورغم البرد القارس إلا أنه أمسك بمقبض
النافذة، ونظر إلى قصر أحفاد الباشا الذي طالما قبع أمام داره منذ نعومة أظافره.
تصلبت كل أطرافه وشخَصَ بصره وهو يرى عمالاً كثيرين قد انتظموا في عملية هدم
القصر؛ بدأت الجدران تتساقط، ومع سقوط كل كتلة يتكرر الدوي وترتفع أعمدة الغبار
الكثيف.
عاد إلى الفراش بعد أن أغلق باب النافذة الزجاجي. إنه يستطيع
أن يراقب كل ما يحدث عبر الزجاج، فهو يقطن بيتاً تكاد تلامس نوافذه رأس من يعبر
الطريق، كما أن العمال يعملون في أعلى القصر.
أمس، ولأول مرة منذ قنع بملازمة الفراش، شعر بأن النوم
يستعصي عليه. "إن قصراً من القصور يزول!".. قالها صالح لنفسه كأنما ينبه
كل مَن وما حوله من جدران وهواء وأثاث متهالك. لم يلبث أن ابتسم، وبدا وجهه وكأنه
لوحة فنية تعبيرية لليأس والسخرية من الذات، ولم يمضِ على العبور العظيم بضع
سنوات.
لقد عادت به الذكريات إلى بداية الستينيات، عندما كان أحفاد
الباشا يلعبون ويمرحون في أحضان الحديقة الغنّاء التي تحيط بالقصر، يحيط بها سورٌ
عظيم يفصل القصر عن باقي المساكن التي أحاطت به من كل جانب، والتي حلت محل قصور
الباشوات القديمة.
اختلاس النظر كان هو وسيلة صالح وقُرنائه لمشاهدة ما يتمتع
به أطفال القصر وزوارهم. ومع الأيام تآكلت أحجار السور وهوى بعضها؛ فمنها ما هوى
لضعف، ومنها ما هوى بعدما عبثت به أيدي أبناء الحي.
أفاق ذات ليلة على دويٍّ مُتلاحق، وأدرك في الصباح أن السور
العظيم قد انهار. أسرع بالنزول إلى الطريق ونادى صَحبَهُ.
وقف كلٌ منهم ينظر إلى حديقة القصر وثمار أشجارها التي يسيل
لها فمُ الظمآن. كان أطفال القصر يجلسون في الشرفة الفسيحة التي تطل على الحديقة
يتناولون طعام إفطارهم؛ يومئذٍ ظن صالح أنه مع أبناء الحي سيلعبون ويمرحون مع
هؤلاء الأطفال، وسيشاركونهم الحديقة وربما القصر، وربما تُولد قصة حب بين أحد
أبناء الحي وبنات الباشا وزوارهم.. فقد انهار السور العظيم!
إن الأمر لا يحتاج إلا إلى بضعة أيام. ولِمَ لا؟ ألم ينهر
السور الذي حال بينهم لسنوات؟ لقد أصبح الجميع يرى الجميع رأي العين. ألا تنطق
العين؟ ألا تتحرك القلوب؟ ألم يأنِ لأطفال الحي أن تبتهج نفوسهم؟ إنها مجرد خطوات
أعبر بها الأنقاض لأجد نفسي داخل الحديقة مع أحفاد الباشا.
صحيح أن أبي قال لي: "لقد ذهبت الألقاب بلا رجعة، ولم
يعد هناك باشا وأفندي وبيك"، غير أن كل ما في ذلك القصر من مباهج وكل من فيه
من البشر، حتى الخدم، قد صُبِغَ بصبغة تبعث في النفس الوقار، وتتسم بسمات تشعرني
بالاحترام الناتج عن الخوف.
إن مجرد عبور أنقاض السور يحتاج لشجاعة لا أملكها..
"حتى الفقر يلاحقنا في الشجاعة؟!".
اتسعت الابتسامة الساخرة على وجهه وقد عاد من ذكريات السور،
بينما عيناه تريان القصر يُهدم.
لم يمضِ زمن طويل على انهيار السور القديم حتى بدأ العمل في
بناء سور جديد؛ أقوى وأكثر ارتفاعاً وأصلب عوداً. تلاشت أحلام صالح مع كل حجر يضاف
إلى السور، ومع بوادر اكتمال السور أيقن صالح أن التفوق العلمي هو السبيل الوحيد
لعبور السور، حتى ولو لم يمسه الزمان بسوء.
عاد ليقترب من النافذة وهو يتساءل: ترى هل يهدمون السور بعد
أن يهدموا القصر؟ أم تُراهم سيشيدون قصراً أفخم ليقطنه أحد الأثرياء الجدد؟
لابد أنه لمليونير من أثرياء الانفتاح.. أو.....
لا، لا، لا، إنهم لا يفصحون عن ثرائهم!
لا بد أنه.....
أيا كان ومهما كان، فهو الباشا الجديد من باشوات الانفتاح،
وأكيد من أصحاب الحرف أو المتاجرة في الممنوعات. لا أظن أن كل هذه المساحة الشاسعة
ستكون لقِلة..
صحيح....
إن الأثرياء لا يقطنون حيّنا في هذا الزمان. لقد رحل أبناء
الباشوات الواحد تلو الآخر وهجروا القصور، وماتت الهوانم وباع الأحفاد القصور،
وجفت أشجار حدائقها وأصبحت أرضها بوراً لا تغني ولا تسمن من جوع بعد أن هجرها
الأحفاد. وها هو القصر يُهدم اليوم، ويزول معه أحد معالم جمال الحي؛ فالقصور في
الحي إما استولت عليها الدولة وحولتها لإدارات خدمية، أو هُدّمت وبرزت مكانها
الأبراج العالية. أتراهم سيشيدون مجمعاً سكنياً؟ ربما برجاً على شاكِلة تلك
الأبراج الشاهقة التي تغزو الأحياء هذه الأيام؟
عاد صالح إلى الطريق واقترب من رجلٍ ذي شارب كثيف وشفاه
غليظة يجلس على مقعد من بقايا القصر عند مدخله، يمسك بطرف جلبابه بعد أن لف ساقاً
فوق ساق. تراجع صالح وخطا بضع خطوات مُبتعداً عنه، ليجد نفسه بجوار حارس القصر
فسأله هامساً:
- عم أحمد، من هذا الذي
يجلس عند مدخل القصر؟ جذبه الحارس إليه وهمس في أذنه:
- إنه المعلِم زينهم أبو
عطوة! لقد اشترى القصر بـ 500,000 جنيه، وباع الأنقاض بـ 100,000.. القصر
مليء بالرخام والأخشاب النادرة. لقد خدمت الباشا ثم أبناءه ثم أحفاده من بعده
في هذا القصر خمسين عاماً.. رحمك الله يا باشا، وسامح الله الأحفاد.
وبينما تفرغ صالح للاستماع إلى عم أحمد الحارس، قام المعلِم
زينهم أبو عطوة وصاحَ بصوتٍ تُصم له الآذان:
- أثبت كل شيء عندك في
الدفتر يا عباس أفندي! أريد مزيداً من الحركة والنشاط.. انسَ أسلوب تلاميذ
المدارس، ألا زلت تظن أنك طالب بالجامعة؟ أفق يا عباس وعش واقعك!
ثم اتجه إلى سيارة فاخرة، فجمع طرفي الجلباب فجعلهما بين
قدميه، وكادت بدانتهُ تحول بينه وبين دخول السيارة، ثم انطلق بها والجميع
يتابعونها حتى غابت عن الأنظار.
عاد صالح أدراجه إلى البيت ولم ينطق بحرف، وأسرع إلى الفراش.
لحقت به والدته وسألته:
- هل ستعود إلى الفراش مرة
أخرى؟
نظرت في عينيه نظرة الأم؛ رأت هناك دموعاً حبيسة، وغماً،
وهموماً دفينة. اقتربت منه ومسحت على رأسه:
- ما بك يا بني؟
دفن وجهه في أحضان صدرها، وتعالى صوت بكائِه وهو يردد:
- كيف لي أن أعبر السور؟
- وكيف لي أن أعبر أنقاض
السور؟!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق